الفلسطينيون في الشتات

 

 

الفلسطينيون في الشتات

 

الشتات كلمة مريعة توحي بالبعثرة والانتشار مثل تطاير شـــذرات جرة الفخار الفلسطينية العريقة اذا اصابتها قذيفة. وكلمة الشتات لا تعني الهجرة الطوعية التي مارســها بعض ابناء شعبنا طلبا للرزق او هربا من الظلم، بل هو النتيجة المباشرة لأكبر عملية تهجير عرقي في تاريخ فلسطين واطولها عمرا، اذ انها لا تزال مستمرة الى اليوم.

ولم يحدث مثل هذا الشتات في تاريخ فلسطين كله قبل 1948. فلم تعرف هذه البلاد نزوحا شاملا، طوعا او قسرا، لا عند مرور قبائل عابرة (عبرانية) بأرض فلسطين، ولا عند تحول السكان الى المسيحية او الإسلام، ولا عند سفك الدماء في الحروب الصليبية، ولا عند غزوات هولاكو وجنكيز خان. تجميع هجرات السكان التي حدثت في تاريخ فلسطين قبل 1948 كانت محدودة الاثر والمكان. ولم يتوفر لدينا اليوم دليل اركيولوجي واحد خلال 5000 عام على إزالة كاملة لأهالي البلاد مثل ما حدث عام 1948.
 

هذا الشتات عبرت عنه كلمة «النكبة» التي دخلت معظم قواميس العالم. لكنه المظهر الاول من مظاهر النكبة الثلاثة. المظهر الاول هو تهجير الأهالي عن ديارهم. والمظهر الثاني هو الاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم في اكبر عملية مخططة مدعومة بشبكة من القوانين المزيفة. والمظهر الثالث هو تدمير المعالم التاريخية والعمرانية ومظاهر الحياة وإزالة جميع معالم عيش الفلسطينيين على أرضهم، بل واكثر من ذلك مسح تاريخهم وإزالة أي ذكر لهم في كتب التاريخ.

عندما خرج الفلسطينيون من ديارهم في ظلمة الليل فارين من المجازر والقتل العشوائي والنهب والسلب، حملوا معهم تاريخهم في صدورهم ورابطتهم الوثيقة بأرضهم. وفي السنوات الاولى اندفع اطفال اللاجئين الى التعلم بحماسة لا نظير لها، حين كانت مدارسهم ظل شجرة، ودفاترهم طريق الإسفلت وقلمهم الطباشير. وعندما تخرجوا، عمروا دولا في وطنهم العربي الكبير. هكذا تعمرت عمان وبيروت والكويت في السنوات الاولى من النكبة. وفي هذه الموجة النهضوية، ظهرت مؤسسات فلسطينية شامخة، في ميادين الأعمار والمال والفكر، ولا يزال دورها فاعلا الى يومنا هذا.

هذه قصة النجاح. أما قصة المعاناة فهي اكبر وأوسع. كم من عائلة تشردت، ولم يستطع أفرادها ان يجمعوا شملهم في مكان واحد بسبب تعسف الدول المضيفة. كم من فلسطيني طرد من مكان ولم يجد غيره، فأصبح وطنه قاعة الانتظار في المطارات. كم من فلسطيني صاحب رأي دخل غياهب السجون لسنوات عديدة. كم من فلسطيني مقاوم اعتقل وعذّب وسلم للعدو. كم من فلسطيني استشهد ولم يعرف احد اين جثمانه. كم من فلسطيني اشتغل في اقسى المهن كي يدفع لإخوانه تكاليف تعليمهم على ان يردوا له المعروف بعد تخرجهم.
 

الصورة تكتمل عندما يسعى أفراد عائلة فلسطينية واحدة الى اللقاء في عرس او عزاء، في بلاد تقبلهم جميعا. مثل قبرص. في قلوبهم وعقولهم جميعا انتماء واحد وجنسية واحدة، ولكنهم وصلوا الى مكان اللقاء بجوازات ووثائق من ألوان وأصناف متعددة. تراهم جلوسا الى مائدة الطعام، كأنهم هيئة أمم مصغرة، تشي بها لهجة اطفالهم التي تختلط فيها لكنة لبنانية او كلمات انكليزية او سويدية.

لا أزال اذكر قصة المهندس الذي كان يعمل معي عندما طلب إجازة ليتزوج. عاد بعد الاجازة متزوجا. فأخبرني ان والديه اقترحا عليه بنتا من عائلة صديقة كانت جارة لهم في بلدتهم بفلسطين. بحث الشاب عن هذه العائلة فوجدها في احد بلاد الشتات. عرفهم بنفسه وحصل انسجام بينه وبين ابنتهم فتزوجها. هكذا تزوج الشاب من جارته متحديا جغرافيا الشتات.

خلال العقدين الأخيرين طفت أكثر من ستين مقاماً لفلسطينيي الشتات، من مخيمات رفح الى مخيم اليرموك، ومن مساكن المهجرين في الداخل (1948) الى احياء اللاجئين في الدانمرك، ومن اماكن عملهم في الخليج الى اماكن دراستهم في كاليفورنيا. ثمة صفات مختلفة في الجيل الثالث والرابع من اللاجئين. ولا شك في ان ظروف الحياة الصعبة شغلت الكثير منهم عن فلسطين. وبعض هؤلاء الذين يعيشون في رخاء أرادوا، عن جهل وقلة بصيرة، حماية ابنائهم مما لاقوه من شظف العيش، فأغرقوهم في حياة مرفهة وحجبوا عنهم انتماءهم الى فلسطين وقصة معاناتهم عند تهجيرهم منها.

ومع ذلك، فإن هذا الجيل قد خرجت فئة متعلمة، واثقة من نفسها ومن قدراتها، ذات دراية عالية بمجتمعات العالم وبلغاته وحضاراته. وهؤلاء استعادوا صلتهم بفلسطين بمفهوم جديد:

إعلامي وقانوني وشعبي، وبروح جديدة من المقاومة. ولكن هذه الفئة استطاعت ان تقوم بدورها لأنها تعيش في مجتمعات ديموقراطية في أوروبا وأميركا رغم تحيز تلك المجتمعات لإسرائيل. وهذه الديموقراطية، تسمح لمواطني تلك الدول وساكنيها بكافة الحقوق المدنية بما فيها حق العمل والتنقل والتجمهر وتكوين الجمعيات، وهو الامر الذي يحرم منه فلسطينيو الشتات في البلاد العربية بدرجات متفاوتة، بحجة ان حقهم في العودة لا يسمح بإعطائهم حقوقهم المدنية لئلا يؤدي ذلك الى توطينهم. وهذه مغالطة قانونية وسياسية واخلاقية. فحق العودة حق غير قابل للتصرف، وهو مكفول مثلا لشخصية فلسطينية مثل ادوارد سعيد، الأميركي الجنسية هو وأبوه. ومن المفارقات ان التمسك بالحقوق الفلسطينية الثابتة، وأولها حق العودة، بارز في العمل الوطني العلني المتمثل في المؤتمرات والنشرات والتظاهرات وحملة مقاطعة إسرائيل وتسيير سفن كسر الحصار، وهو في أوروبا وأميركا واقوى منه في البلاد العربية. والنشاطات المشابهة في البلاد العربية نشأت متأخرة وعلى استحياء. ووصف القائمون عليها في مجتمعاتهم بالمتطرفين احيانا، مع ان الشعب العربي، كما نشاهد على الفضائيات والمواقع الالكترونية، يؤيد هذا الاتجاه الوطني بقوة. لكن نشاط الفلسطينيين في الشتات ولا سيما في حركة حق العودة على الرغم من صعودها صعودا كبيراً لا رجعة عنه، لا تزال مبعثرة، وتعتمد جهود القلة من المخلصين، اكثر ما تعتمد قاعدة شعبية واسعة.

 

 

 

ان الواجب الاول هو تأطير هذا النشاط كله وليس هناك من وسيلة لذلك إلا اعادة بناء الشعب الفلسطيني من نقابات وجمعيات ومؤسسات وروابط. ثم انتخاب مجلس وطني جديد يمثل 11 مليون فلسطيني، منهم 12% في غزة و18% في الضفة. وهؤلاء هم الذين دخلوا الانتخابات المحلية عام 2006. أما الباقي من الشعب الفلسطيني (70%) فلم ينتخب ممثليه وقيادته. وآخر مجلس وطني ذي شرعية مقبولة لدى الجميع هو المجلس المعقود في الجزائر عام 1988. ولكن حتى هذا المجلس اغفل جزءا مهما من شعبنا هو أهلنا في الداخل (1948) وهم يمثلون 10% من الشعب الفلسطيني. أما حوالى 60% الباقون، فهم يقيمون في دول الجوار حول فلسطين. ومن بين هؤلاء 12% من الشعب الفلسطيني، يعيشون في دول عربية اخرى وفي أوروبا وأميركا.

هذه الحقيقة الديموراغرافية تبين ان الغالبية الساحقة من الفلسطينيين على أرض فلسطين وحولها. وتبقى الحقيقة الاخرى الغائبة انه لا يوجد تمثيل ديموقراطي للشعب الفلسطيني اليوم. ولكن تبقى المهمة الأساسية الآن لكل من يهتم بالشأن الفلسطيني وهي الدعوة الى انتخاب مجلس وطني جديد، واستمرار نشاط الفلسطينيين في الشتات في تجمعاتهم نحو هذا الهدف، والاستعانة بالمنظمات الدولية والشعبية المدافعة عن حقوق الإنسان لكشف الدور الأوروبي والأميركي في دعم جداول أعمال فلسطينية تخدم أغراضها، والتي تمنع التمثيل الديموقراطي للشعب الفلسطيني. ولا شك في ان إسقاط جداول الأعمال هذه قادم لا محالة.

سلمان أبو سته رئيس هيئة أرض فلسطين و المنسق العام لمؤتمر العودة.