غسان كنفاني

 

 

 

 

 

 

 

غسان كنفاني الذي إسـتطاع جهاز المخابرات الإسـرائيلية ( الموسـاد ) أن يغيّب جسـده في  صبيحة الثامن من تموز عام  1972 بتفخيخ سـيارته . .

 

فتناثر جسـده مزقاً وأشـلاء في حي مار تقلا - الحازمية كما تتناثر حبات ألقمح من كفِ  فلاح فلسـطيني . .

 

ولتتحول هذه الحبات الى حقل من الرجال يحملون الشـمـس في عيونهم . . والدماء على أكفّهم ، يتسـابقون الى الموت والشـهادة ،

 

وليجمعوا حصادهم المر للعصافير الفلسـطينية التي تأبى الموت في بطون الأودية ولا ترضى أن تموت الا على سـفوح القمم .

 
 
 
 
 
 
 

غسـان كنفاني نورس فلسـطيني كان يحلّق في فضاء أحلامه متمردا على عتمة منفاه . . ليصل الى حيفا ، ويبلل جناحيه ببحرها . . ويموت على شواطئها . . فسقط شهيدا في المنفى مضرجا بدمه .

 

لم يكن يملك غسـان كنفاني الذي اقتلعه الإحتلال الصهيوني من مدينتـه عكا عام 1948 رشـاشـاً أو بندقيـة أو دبابـة أو طائرة ليقـاوم من اسـتباحوا واحتلـوا وطنـه . . لم يكن يملك سـوى قلمه وريشـته . بقلمه كان يكتب عن مأسـاة أمته التي تخاذلت وانهزمت ولم تنقذ فلسـطين من السـقوط بين أنياب الوحـش الصهيوني ، وبالريشـة يرسـم لوحات تحكي عن وجع الاقتلاع ومرارة اللجـوء . .

 

في عام 1948 وجد غسـان كنفاني نفسـه وهو في الثانية عشـرة من عمره صبياً مشـرداً ينضم الى طوابير النازحين الفلسـطينيين في احدى ضواحي دمشـق ليجد نفسـه في مقبرة جماعية سـموها المخيم .

 

لقد تركت النكبة الفلسـطينية بصماتهـا على حياة غسـان كنفاني فكانت الإعصار المدمر الذي كسـر قلبـه اليافع كما تكسـر الرياح المجنونة هامات البراعم .

 

غسـان كنفاني لم ينحن للنكبـة ولم يرفع الرايـة البيضاء ، فأمتشـق قلمه وريشـته . بالريشـة يرسـم وبالقلم يكتب ليؤسـس لمقاومة تخرج من رحم الوجع والمعاناة وقدرها أن تقاوم وتسـتشـهد وتنتصر .

 

لا يمكن قراءة غسـان كنفاني من خلال الروايات الثمانيـة التي تركهـا ولا من خلال المجموعـات القصصيـة الخمسـة ولا الدراسـات الخمسـة والمسـرحيات فقط . الإبداع الحقيقي لغسـان كنفاني . . هو الإبداع الذي لم يتمكن من انجازه . .  فظل قافية في قصيـدة لم تر النور ، وقصيدة عبقريـة في ديوان احترق قبل أن يولد .

في آخر لقاء جمعني به في  مكتب جريدة " الحرية " في بيروت طلبت منه أن  يمنحني  بضعة دقائق من وقته لأقرأ له قصيدة من قصائدي  فأبتسـم وجلـس وراء مكتبه وبدأ يصغي الي وهو يدخن . وتلك القصيدة  كانت بداية محاولاتي الشـعرية وعنوانها ( صياد فلسـطيني )  وأذكر يومها أنه طلب مني أن أعيد قراءة المقطع التالي من ألقصيدة :

 

لـن أمـوت بغـيـر مينـائي

وكلاب البحر لن تأكل أشـلائي

في نشـيد احتراقي

سـتبكي الأبديـة

جنازتي ألحان سـتعزفها البشـرية

فـي حـيـفـا . .

سـترفع السـتـارة

عن جثـة صياد صارت منـارة .

 

كان يدخن وأنا أقرأ قصيدتي ويحدق بخيوط الدخان التي كانت تتلـوى في فضاء الغرفة وكأنها ريـش تطاير من جناحيّ طائر مذبوح يحلق به ويأخذه الى سـور عكا وشـواطئها . قال لي بعد أن اسـتفاق من شـروده واضعـا يده على كتفي كأسـتاذ يشـجع تلميذه . . ثابر على الكتابـة . . ثابر على الكتابة . ودعته وقد تملّكني شـعور بأنه سـيكون اللقاء الأخـير بيننـا .

 

ودعته وكنت أتمنى لو تسـنى لي أن أوثق هذا اللقاء بصورة فوتغرافية وأنا ألى جانبه لأحتفظ بها في أرشـيف مكتبتي ، ولكن شـاء القدر أن يسـتشـهد غسـان كنفاني وتبقى صورته خالدة في أرشـيف ذاكرتي وفي ذاكرة فلسـطين .

 

الشـهيد الخالد أنطون سـعادة يقول " قد تسـقط أجسـادنا أما حقيقـتنا فقد فرضت حقيقتهـا على هذا الوجود " .

 

تمكن الموسـاد الإسـرائيلي أن يقتل جسـد غسـان كنفاني ، أما روحه فقد فرضـت حقيقتها على هذا الوجود .

 

بعد سـبعة وثلاثين عاما على رحيله سـيظل الغائب الحاضر أبداً . .  سـيظل النسـر الفلسـطيني ألذي حمل الشـمـس في عينيه وحلّـق . ولن  يسـتريح الا على أسـوار عكا . ولن يغيب غسـان كنفاني ما دامت الشـمـس  تشـرق كل صباح .

غسـان كنفاني نسـر فلسـطيني  حمل الشـمـس في عينيـه ورحل .