عبد الكريم الكرمي - من فلسطين ريشتي

 

عبد الكريم الكرمي

قد تكون قصيدة " سنعود " من القصائد الأشهر للشاعر عبد الكريم الكرمي / أبو سلمى(1910- 1980) كونها الأغنية أو الموال الذي تناقله كل فلسطينيّ على مدار سنوات طويلة مؤكدا أن العودة هي مفتاح الوجود الفلسطينيّ ، فلا معنى لحياة الفلسطينيّ إن لم تكن مرتبطة بهذه المفردة الحبيبة " العودة ".. وإلى جانب هذه القصيدة هناك قصائد كثيرة لأبي سلمى بقيت على مدار السنوات أغنيات تحملها قلوب الفلسطينيين كونها كانت وما زالت قريبة من نبض الإنسان الفلسطيني ومعبرة عن أمانيه خير تعبير .. وأعتقد أنّ هناك قصائد عديدة عند أبي سلمى لم تأخذ شهرة " سنعود " وسواها من القصائد السائرة ، لكنها بكل تأكيد تشكل مفاصل هامة في مسيرة القصيدة الفلسطينية ..

ومن هذه القصائد قصيدة " من فلسطين ريشتي " حيث يكاد أبو سلمى يستحضر فلسطين كلها في هذه القصيدة.. يبدأ أبو سلمى قصيدة "من فلسطين ريشتي " بالقول :" مِـنْ فلسطين ريشتي وَبَياني/ فعَلى الخُلْدِ والهوىَ يَدْرُجانِ ...من فلسطين ريشتي ومن الرملة / واللد صغت حمر الأغاني ".. فهذا الرجوع الجميل إلى البلد لتكون الريشة في كلّ ألوانها وخطوطها وظلالها من هناك رجوع دال على العلاقة القوية بين الشاعر وأرضه السليبة ، إذ لم يستطع البعاد في حرقته وآلامه أن ينسي الشاعر وإن للحظة واحدة أن فلسطين مهما ابتعد عنها هي المبتدأ والخبر في الشعر والحياة والتذكر والعودة والرسوخ فكرا ومشاعر ..
ولأن فلسطين سكنت الشاعر أبو سلمى فقط حضرت بكل بهائها في شعره، حيث نجده كيفما التفت ، وكيفما ذهب وأتى ، مسكونا بفلسطين ومدنها وطبيعتها وروعتها .. فغزة حاضرة ، كذلك الضفة الغربية ، وجبل النار،والرملة ، واللد ، وطولكرم ، والأقصى ، والقسطل .. وتطول القائمة لنجد أن فلسطين كلها حاضرة بمدنها وقراها ومساجدها وقبابها وجبالها ووديانها ، وكل ما يخطر لك على بال .. كيف لا والشاعر مسكون بكل فلسطين وكل ما فيها ، وعشقه لا يتوقف عند حد .. فالبعاد لا يمكن أن ينسي هذا الشاعر العاشق أي جزء من أجزاء أرضه الحبيبة ..ففلسطين تأتي لتكون ذاكرة مدهشة يصعب أن تغيب وإن للحظة واحدة .. والشاعر موكل الروح والقلب بأن ينقل لنا فلسطيننا كلها لتكون في قلوبنا وأعمارنا وأفكارنا وكل خطوة من خطواتنا .. تلك فلسطين عروس القلب ، وتوءم الروح ، فكيف لنا أن ننسى أي شيء منها ؟؟.. نستحضرها في كل وقت استحضار عشق لا يفتر ولا يمل أو يكل .. وهل للحبيب العاشق أن ينسى حبيبته التي سكنته فصار لا يتنفس إلا من خلالها ؟؟..
ولا نستغرب أن يلجأ الشاعر إلى الشعراء ليكونوا فرسان العودة والتحرير بعد أن ملّ من كل الوعود التي لم تأت ثمارها.. وهم الشعراء المقيمون هناك في الأرض ، أرض فلسطين:" شـعـراءَ الـجـلـيـل والشاطئ الغربيّ.. أنتمُ طلائعُ الفُرسان/ شِـعْـرُكُـمْ – مثلكم – خلوداً ويسري من فلسطين فيه نفحُ الجِنان /من "شفا عمرو" الجريحةِ و "البِروةِ" من "كوكب الهواء"ومـن "بيسان"/زنـتـمُ الـلـيـل بـالـحـروف نـجوماً يا أحباي في أحب مكان/تـتـحـدّون بـالـقـوافـي الـمـدمـاةِ نضالاً ، عصابة الشيطان/طـلـعَ الـشـعـر فوق أرضكم الخضراء غرساً مخضَّب الأغصان/
كـل شـعـر سـواهُ ، تـلـوي بـه الـريح ، ويطويه عالم النَّسيان/
شـعـركـم وحـدهُ يُـعـمّـقُ في الأرض جذورَ الصُّمود والعنفوان/ شـعـركـم وحـدهُ المجلجل في السّاح ، رفيقُ السّلاحِ في المَعْمعَان" فالشاعر الذي يتوجه كلية إلى فلسطين وتراب فلسطين وكل مدينة من مدن فلسطين ، يجد أن الشعراء هناك هم المؤهلون لحمل راية النصر والعودة والريادة الشعرية أيضا
قصيدة " من فلسطين ريشتي " لأبي سلمى قصيدة أرادت أن تقول فلسطين حضورا وهوى ووجدا وعشقا وتوجها ، فكانت هذه القصيدة بأبياتها زهرة حب لفلسطين لا يمكن أن تذبل ..

من فلسطين ريشتي

شعر : عبد الكريم الكرمي / أبو سلمى /
/ ديوان عبد الكريم الكرمي /

مِـنْ " فـلـسـطـيـن " ريشتي وَبَياني فعَلى الخُلْدِ والهوىَ يَدْرُجانِ
مِنْ " فلسطين " ريشتي ، وَمِنَ " الرَّملةِ " و" اللِدّ " صُغتُ حُمْرَ الأَغاني
مِـنْ شـذا بـرتـقـال " يـافا" قوافيها ومن سهل "طولكرم" المعاني
أَحـرفـي مـن قـطـاع "غـزة" والشاطئ تمشي مصبوغة الأردان
يـوم غـابـت نـابـلـس مـخضلَّةَ العينين ، لم تغتمض لنا عينان
مـن " فـلـسطين" ريشتي ، وجناحاها إلى عالم الجوى ، الضفـتان
ومـن "الأُردن" الـحـبـيـب أُروّيـهـا لـتـندى ، شجيّة الألحان
ومـن الـضـفـة الـحـزينة ، لا أنشر إلاَّ – فوق الدُّنى – أشجاني
* * *
ريـشـتـي فـي يدي ، ومن جبل النار لظاها ، فالحرف أحمرُ قان
ريـشـتـي فـي مـدادهـا الدَّمُ والدَّمعُ ، وراءَ السُّطور ، يمتزجان
ريـشـتـي فـي حـفـيـفها جهشةُ الأقصى على أهلهِ ونوحُ الأذان
" ديـر يـاسـيـن " فـي الشَّباةِ مع " القسطل " خلف السّواد يعتنقان
ريـشـتـي فـي يدي أخوضُ عُبابَ الهول،طلق الجناح،ثبت الجنان
تـرتـمـي حـولـهـا الأعاصير أشلاءَ ، إذا ما جرت وراءَ بناني
ريـشـتـي فـي يـدي ، تسير أمام الشعب في زحفها على الطغُّيان
ريـشـتـي فـي يـدي ، تشقُ الدُّروب البكرَ ، تحمي حرية الإنسان
* **
أيـهـا الـحـامـلـون ألـويـة العار !... تخلوا عن حومة الميدان
سَـلّـمـوا الـشـعـب أمـره واستريحوا يا حماة الأصنام والأوثان
كُـلُّ جـيـش يـكونُ حرباً على الشعب ، ذليلٌ ، إذا الْتقى الجْمعان
عـاصـفٌ بـيـن أهـلـهِ ونـسـيـمٌ لـلمغيرين ، شأن كل جبان
يـومَ هَـبَّـتْ عـلـى حـدودكـم الـنَّـارُ ، جثوتم أمام كل دخان
يـأنـفُ الـتُـرب أن تـمـرّوا عـلـيـه وتصابُ الرمالُ بالغثيان
كُـلَّ يـوم تـجـددون الـشـعـارات ، فـراراً مـن أزمةِ الوجدان
بـعـد حـربِ الـتَّـحـريـر قد أصبح اليوم شعاراً ، إزالةُ العدوان
* * *
وتــقـولـون دولـةٌ .. ونـراكـم دولاً ، كـلُّ دولـةٍ بـكـيـانِ
وتـقـولـون : وحـدةٌ .. ولـديـكـم كـلُّ جُـزءٍ مـجـزَّأٌ لِثمانِ
ثُـمَّ حـريـةً .. تـقـولـون لـلـنـاس ومـا فـيكمُ سوى سَجَّان
وتـقـولـون : نـحـنُ نَحكُمُ باسمْ الشعب ... أستغفرُ العظيم الشَّان
أيـنَ تُـمـسُـون ؟! لو غدا كلُ شعبٍ حاكماً في البلاد ذا سُلطان!..
* * *
وتـحـلُّـون .. كـلّـمـا أقـبـلَ الـلَّيلُ .. خفايا أُموركم ، باللّجان
هـلْ تـداوون بـالـبـيـانـات جُرحاً أو يُزيل اجتماعكم ما نعاني
لـيـتَ شِـعـري !.. مـتى يُفجّرُ شعبي في "فلسطين" ثورة البُركان
و "فـلـسـطـيـن" لـن تـضيعَ وأهلوها يخوضون هولَ كلّ عَوان
إنّ جـيـشَ الـشَّـعـب المُشرَّد أقوى من جيوشِ الحرير والطَّيلسان
إنّ جـيـشـاً يُـرجى لتحرير شعبٍ غيرْ جيشِ الكرسي والصَّولجان
* **
شـعـراءَ الـجـلـيـل والشاطيء الغربيّ ! .. أنتمُ طلائعُ الفُرسان
شِـعْـرُكُـمْ – مثلكم – خلوداً ويسري من "فلسطين " فيه نفحُ الجِنان
من "شفا عمرو" الجريحةِ و "البِروةِ" من "كوكب الهواء"ومـن "بيسان"
زنـتـمُ الـلـيـل بـالـحـروف نـجوماً يا أحباي في أحب مكان
تـتـحـدّون بـالـقـوافـي الـمـدمـاةِ نضالاً ، عصابة الشيطان
طـلـعَ الـشـعـر فوق أرضكم الخضراء غرساً مخضَّب الأغصان
كـل شـعـر سـواهُ ، تـلـوي بـه الـريح ، ويطويه عالم النَّسيان
شـعـركـم وحـدهُ يُـعـمّـقُ في الأرض جذورَ الصُّمود والعنفوان
شـعـركـم وحـدهُ المجلجل في السّاح ، رفيقُ السّلاحِ في المَعْمعَان
* * *
أيـهـا الأهـل ! – في القطاع وفي الضفة ، لو تُنطق الدموعُ iiلساني
يـعـصـب الـجـمـرُ جـانـبيه ، وهل أبلغُ مما لم تَرْوِهِ الشفتان
تـلـك أكـبـادُنـا الـمُـمـزقـة ، الحرَّى ، على كلّ شفرةٍ وسِنانِ
* * *
أيـهـا الـثـائـرون فـي جـبـل الـنار !.. وُقيتم غوائل الحدثان
دمُـكُـمْ وحـده يُـروي الـبـطـولات .. وتـغلون تُربةَ الأوطان
عـنـدمـا تـخـطـرون .. تزدهرُ الأرضُ وتُهدي غلائل الريحان
نـحـنُ أسـرى .. وأَنـتمُ أنتمُ الأحرارُ .. خلفَ السُّجون والقُضبان
الـفـدائـيُّ وحـدهُ الـنَّـاشـرُ الأمـجاد .. فوقَ المُروج والغُدران
إنـهُ وحـدهُ الـمـعُـصّـبُ فـي الخُلّد .. إذا قيلَ فارسُ المهرجان
* * *
أتُـراهـا الأيـام فـوق الـسفوح الخضر ، ترمي بنا وفوق الرّعان
نـتـلاقـى .. رفـاق دربٍ .. كـما كُنَّا ونمضي نجتاز عبرَ الزَّمان
لـنْ تُـضـيءَ الـدُّنـيا .. إذا لم يُطلَّ الفجرُ من أرضنا مع النيران