صفد في القرن الثامن عشر

 الشيخ ظاهر العمر الزيداني أخيه الأمير منصور واليا على صفد وجعل " عمر ابن زيدان" شيخا على تلك الديار يساعد الأمير في إدارته كان الأمير بشير الأول الشهابي ايام حكمه على لبنان  ( 1697 ـ 1707 م ) قد عين ابن وفي أثناء ذلك ولد لعمر هذا في عام 1106 هـ : 1695 م في صفد ولده " ظاهر " الذي بظهوره على المسرح السياسي اخذ ينافس الشهابيين في مقامهم الأول في      أحداث بلاد الشام . خلف ظاهر أباه على صفد ثم ظفر بعد ذلك بضم طبرية إلى منطقته فضلا عن حك " عرابة البطوف " وضاحيتها وفي تلك الإثناء قام بتعمير وتجديد قلعتي طبرية وصفد ولم تلبث بلاد نابلس أن خضعت له عام 1735 م . إن النجاح الذي لاقاه الظاهر في توسيع رقعة حكمه اجبر والي صيدا وكانت فلسطين تحت سلطته إن يولي ظاهرا في عام 1750 م على مدينة عكا فاتخذها مقرا له فبنى فيها قصرا فخما وسورا وأبراجا واستخدمها لتصدير خيرات فلسطين الشمالية من قمح وحرير وقطن للأسواق التي تطلبها . ولما اخذ والي دمشق عثمان باشا الصادق بظلم رعايا الشخ ظاهر درات الحرب بينهما فالتقى الجمعان في اراضي " الخيط " في الجنوب الغربي من بحيرة الحولة انتصر الشيخ هو وحلفاؤه  شيعة جبل لبنان على الوالي وجنده وما زالوا في اثرهم حتى اوصلوهم الى البحيرة مما اضطر الوالي المهزوم ان يلقي بنفسه في مياهها الا انه انقذ واضطر للعودة هو ومن افلت من الغرق والقتل من جنده الى دمشق .

ارسل ظاهر ولديه احمد وسعيد الى اربد فاستولوا عليها، كما استولوا على عجلون وجبالها وقد تمكن ولده علي، حاكم صفد ، من ضم بصري وصلخد وغيرها من بلاد حوران الى املاك والده

وعلى اثر هذه الفتوحات اخذ امر ظاهر بالتصاعد فتم له امتلاك صيدا ويافا مما اضطر الحكومة العثمانية لان تعترف بولايته على جميع ولاية صيدا . كان ظاهر العمر محبا للخير عرف بعدله وسار مع رعيته سيرة مرضية ووقف من رعاياه المسيحيين موقفا سمحا " وكانت البلاد براحة واطمئنان والطريق بامان بحيث اذا سافرت المرأة وعلىكفها الذهب لا يعترضها احد في الطرق ولاتخاف على نفسها امرا  . وقد نشطت الزراعة في ايامه وقضى على غزو القبائل المجاوره لبلاده من البدو فوفق الى توطيد الامن في الاقاليم فكان المسيحيون والمسلمون يسرعون الى نزول بلده من جميع اطراف الشام لينعموا بها بالراحة والتساهل الديني وكان ظاهر يؤدي ما عليه من اموال للدولة العثمانية في اوقات استحقاقها .

وفي عام 1768 م : 1182 هـ قبل السلطان وكان نفوذه في كل مكان قد وصل الى لحضيض ان يمنح ظاهر العمر طلبا تقدم به وهو ان تكون حكومته وراثبة وان يكون لقبه " شيخ عك " وامير الامراء صاحب الناصرة وطبرية وصفد وأمير الجليل

ولما اشتبكت الحكومة العثمانية بحربها مع روسيا اتفق الشيخ ظاهر مع علي بك الكبير المصري على رفع لواء العصيان ضد الدولة لينعم كل منهم في استقلال بلاده مما من ذكرناه في جزء سابق .واخيرا بعد ان انتهت الدولة من حربها مع روسيا جهزت حملة قوية لاحتلال عكا عاصمة ظاهر وبينما كان هذا متهيئا للمقاومة غدر به عبد من عبيده منذ خمس عشرة سن فقتله وكان ذلك عام 1196 هـ : 1782 م . وهكذا انتهى امر دولة ظاهر العمر الذي يعد اول فلسطيني جاهد في سبيل استقلال بلاده عن تركيا التي كانت هيبتها قد اخذت في الزوال .  فولني في صفد :  مر الرحالة الفرنسي " فولني " بصفد في رحلته الى بلاد الشام في القرن الثامن عشر وقال عنها : "وعلى مسافة سبعة فراسخ من بحيرة  طبرية قرية صفد القائمة  على سطح جبل وتعد صفد مهد السلطة  التي توصل الى احرازها الشيخ ظاهر العمر وكان فيها معهد لتعليم الصرف والنحو  والفقه وتفسير القران واليهود الذي يعتقدون ان مسيحهم سيجعلها قاعدة ملكه رغبوا في سكناها فاستوطنه خمسون او سون اسرة منه غير ان الزلزلة التي حدثت سنة 1759 م : 91173 هـ ) تركتها خرابا والأتراك الذين يتشاءمون منها قد أهملوها وأمست قرية لا شان لها  وفي محل أخر ذكر الرحالة أن  أراضي صفد ينبت فيها قطن يحاكي قطن جزيرة قبرصومن أهم حوادث صفد في القرن الثامن عشر الاستياء نابليون عليها وذلك في أثناء حملته على فلسطين عام 1214 هـ : 1799 م فقد أرسل لهذا الغرض الجنرال " مورا murat " وأمره بالاستيلاء عل صفد ومنع جيوش العثمانيين القادمة من دمشق من نجدة الجزار .

ويصف  " ادوار لاكروا " حملة مورا بقوله : ( ذهب مورا ال الشرق توا واجتاز السهل وبعد ان مر باجمل بلاد في العالم ضاحكا مع ضباطه وصل الى " الرامة " وعسكر فيها وقال ميو _ احد مرافقي ـ : " ان اهم ما كنا نحتاج اليه هو التحدث عن فرنسا وعن النساء"  وكانوا طول الطريق مبتهجين متباسطين وفي اليوم التالي وصلوا الى صفد لكن وصولهم كان  بسرعة وبتكتم حتى ان المغاربة الذين كانوا يحرسون القلعة لم يكن لهم الوقت الكافي للهرب وقبضوا على احدهم فاذا هو زعيم القوم فاعتقد هذا المسكين انه لابد من قتله فبدا يبكي لدى وصوله امام مورا لكن مورا لم يكن شرسا فرىثى لحال الشيخ وابقى على حياته وبدت نساء صفد بيضا حسنات القوام كثيرات الجمال . وترك مورا خيالته في صفد ونزل مع قسم من المشاة الى سهل يعقوب فلم ير شيئا لا في السهل ولا على الجسر فابقى حامة في صفد وعاد الى امام عكا واضطر مورا ان يرحل من عكا في 13 نيسان لانه شاع ان الجيوش العثمانية قد اجتازت جسر يعقوب وان الحامية التي ابقاها في صفد حوصرت وقتل خمسة من رجاله . توجه " مورا  توا الى " جسر بنات يعقوب " والسهل المجاور له وارسل فرقة من جنده لمساعدة حاميته المحصورة في صفد .

قهر مورا  اعداءه عند الجسر وجد في خيامهم كميات كبيرة من الملبس والحلويات حتى ان الجنود ملاوا جيوبهم وحقائبهم واضطروا ان يرموا الباقي وحرقوا في المساء كل ما كان بلا فائدة وتعشوا بسرور مستنيرين بنور الحريق

وبعد ذلك نزل مورا جنوبا على طول مجرى نهر الاردن فاستولى على طبرية دون ان يطلق رصاصة واحدة .واخيرا اضطرت الحملة الفرنسية التي ارسلها بونابرت الى الجليل ومرج بني عامر الى الانسحاب واللحاق بجيشه الذي انهز امام عكا واخذ بالانسحاب الى مصر .