صفد في العهد العثماني

  دخلت صفد كما دخلت غيرها من مدن الشام تحت الحكم العثماني في عام 922 هـ : 1517 م وفي سنة 1617 م زار صفد الرحالة التركي " أوليا شلبي  وهناك وصفا موجزا لما شاهد: ( م قرية ميرون لاحت لنا صفد حمامة بيضاء كأنها تتحفز للطيران وكنت كلما اقتربت منها هزني الشوق لزيارة مقدساتها وحالما وصلت اليها هرولت مرعا المغارة بيت الأحزان حيث حزن يعقوب على يوسف وابيضت عيناه من الحزن   ] ثم ارتد إليه بصره حينما جاءه البشير بقميص يوسف ان هذا المقام الشريف يتوسط مقبرة تمتد من أبي قميص إلى الجامع الأحمر وتضم الابرار الصالحين الأخيار وقد هبطت عدة درجات حتى وصلت إلى صحن المسجد وأديت تحيته وفي مساء الخميس حضر نقيب الأشراف وشيخ طريقة سيدي عبد القادر الجيلاني وكثير من أصحاب الطرق وأقاموا حفلة الذكر على قرع العدة الصاج  والمزاهر وتسامت الأرواح وغابت عن الوجود ولم أفق من هذه الغيبة اللذيذة إلا في الصباح وبعد هذا  العناء   ذهبت لأستريح في خان الباشا حيث يحل الغرباء وكان يتألف من أربعة طوابق ويتسع لخمسة ألاف نزل وكأنه القلعة بتحصيناته وبابه الحديدي .وفي ثاني يوم هبطت خمس عشرة درجة حتى دخلت سوق " سنان باشا  ، مركز المدينة التجاري ونجد فيه أصنافا شتى من البضائع الغريبة وفي نهايته يرتفع قصر الباشا العثماني الذي نقش على عتبته العليا : ألا يا دار ليدخلك حزن       ولا يغدر بصاحبك الزمان فنعم لا دار تؤوي كل ضيف    إذا ما الضيف ضاف به المكانسنة 980هـ ويؤدي الباشا صلواته الخمس في جامع الشيخ " نعمة" المجاور وعلى عتبته العليا كتابة بحبر لم تقدر عوامل الطبيعة على محوه وكان الرخام يرتفع على جدرانها إلى ما فوق قامة الرجل و فوق ذلك رصعت القيشاني الزرقاء المزخرفة بالرسوم والأشكال والكتابات البيضاء وتصل المياه إلى هذا المسجد من عين النائب القريبة . وفي ثاني يوم أسرعت لزيارة " بنات حامد " جنوبي البلد وهو بناء ضخم يتألف من زاوية واسعة ومسجد له قبة سامقة في الجو يتجلى فيها النبل والكمال وقد كتب على جدران هذا لبناء كله ومن الخارج دستور المملكة الصفدية .

 

على بضع خطوات ينتصب الجامع الاحمر الذي بناه الملك الظاهر سنة 670 هـ ويمتاز مدخله بذه المقرنصات بالواجهة الحمراء وكان المسجد لتعليم الفقه وقد نعمت فيه أياما طويلة وشربت من ماء صهريجه الواسع

وفي المدينة مساجد وزوايا الحق بكل منها مدرسة اشتهر منها دار القراء وزاوية الشيخ العثماني وزاوية شمس الدين شيخ الربوة الدمشقي في ظاهر المدينة وزاوية الشيخ عمار  وزاوية ابي الريش وكلها دور ينتشر منها العلم الشريف كما فيها سبعة حمامات تشتغل طوال العام منها حمام العنبري بجانب قصر الباشا وهو يشبه الجامع في قبته. ان معظم سكان صفد جند من الأكراد وتقل النساء والصبيان ويندر ان ترى امراة في دروبها وحول المدينة أشجار منها الزيتون والتوت والتين والعنب والميس ويجيد سكانها صناعة اللباد ويصنعون منه البشوات والعبي والسجاد والاكاليم . وأخيرا زرت القلعة فوجدتها خرابا ينعق فيه البوم والغربان وتعشش فيها الوطاويطثم ذكر السائح الكتابة المنقوشة على مدخل القلعة وقد تقدم ذكرها في حديثنا عن أعمال الظاهر بيبرس في صفد بعد ان تيسر له فتحها .

 

ة�� ����}��} مع روسيا جهزت حملة قوية لاحتلال عكا عاصمة ظاهر وبينما كان هذا متهيئا للمقاومة غدر به عبد من عبيده منذ خمس عشرة سن فقتله وكان ذلك عام 1196 هـ : 1782 م . وهكذا انتهى امر دولة ظاهر العمر الذي يعد اول فلسطيني جاهد في سبيل استقلال بلاده عن تركيا التي كانت هيبتها قد اخذت في الزوال .  فولني في صفد :  مر الرحالة الفرنسي " فولني " بصفد في رحلته الى بلاد الشام في القرن الثامن عشر وقال عنها : "وعلى مسافة سبعة فراسخ من بحيرة  طبرية قرية صفد القائمة  على سطح جبل وتعد صفد مهد السلطة  التي توصل الى احرازها الشيخ ظاهر العمر وكان فيها معهد لتعليم الصرف والنحو  والفقه وتفسير القران واليهود الذي يعتقدون ان مسيحهم سيجعلها قاعدة ملكه رغبوا في سكناها فاستوطنه خمسون او سون اسرة منه غير ان الزلزلة التي حدثت سنة 1759 م : 91173 هـ ) تركتها خرابا والأتراك الذين يتشاءمون منها قد أهملوها وأمست قرية لا شان لها  وفي محل أخر ذكر الرحالة أن  أراضي صفد ينبت فيها قطن يحاكي قطن جزيرة قبرصومن أهم حوادث صفد في القرن الثامن عشر الاستياء نابليون عليها وذلك في أثناء حملته على فلسطين عام 1214 هـ : 1799 م فقد أرسل لهذا الغرض الجنرال " مورا murat " وأمره بالاستيلاء عل صفد ومنع جيوش العثمانيين القادمة من دمشق من نجدة الجزار .

 

ويصف  " ادوار لاكروا " حملة مورا بقوله : ( ذهب مورا ال الشرق توا واجتاز السهل وبعد ان مر باجمل بلاد في العالم ضاحكا مع ضباطه وصل الى " الرامة " وعسكر فيها وقال ميو _ احد مرافقي ـ : " ان اهم ما كنا نحتاج اليه هو التحدث عن فرنسا وعن النساء"  وكانوا طول الطريق مبتهجين متباسطين وفي اليوم التالي وصلوا الى صفد لكن وصولهم كان  بسرعة وبتكتم حتى ان المغاربة الذين كانوا يحرسون القلعة لم يكن لهم الوقت الكافي للهرب وقبضوا على احدهم فاذا هو زعيم القوم فاعتقد هذا المسكين انه لابد من قتله فبدا يبكي لدى وصوله امام مورا لكن مورا لم يكن شرسا فرىثى لحال الشيخ وابقى على حياته وبدت نساء صفد بيضا حسنات القوام كثيرات الجمال . وترك مورا خيالته في صفد ونزل مع قسم من المشاة الى سهل يعقوب فلم ير شيئا لا في السهل ولا على الجسر فابقى حامة في صفد وعاد الى امام عكا واضطر مورا ان يرحل من عكا في 13 نيسان لانه شاع ان الجيوش العثمانية قد اجتازت جسر يعقوب وان الحامية التي ابقاها في صفد حوصرت وقتل خمسة من رجاله . توجه " مورا  توا الى " جسر بنات يعقوب " والسهل المجاور له وارسل فرقة من جنده لمساعدة حاميته المحصورة في صفد .

قهر مورا  اعداءه عند الجسر وجد في خيامهم كميات كبيرة من الملبس والحلويات حتى ان الجنود ملاوا جيوبهم وحقائبهم واضطروا ان يرموا الباقي وحرقوا في المساء كل ما كان بلا فائدة وتعشوا بسرور مستنيرين بنور الحريق

وبعد ذلك نزل مورا جنوبا على طول مجرى نهر الاردن فاستولى على طبرية دون ان يطلق رصاصة واحدة .واخيرا اضطرت الحملة الفرنسية التي ارسلها بونابرت الى الجليل ومرج بني عامر الى الانسحاب واللحاق بجيشه الذي انهز امام عكا واخذ بالانسحاب الى مصر .