مـن التاريــخ كيف سقطت مدينة صفد؟

 جادو عز الدين

كنا مجموعة من الضباط جميعنا برتبة ملازم ورفاق دورة واحدة. ثم تعينّا فور تخرجنا في الكلية العسكرية في مركز تشكيل وتدريب جيش الإنقاذ. وكان التحاقنا في هذا المركز في تشرين الثاني 1947. وتبع ذلك ان تطوع (1) معظمنا في وحدات هذا الجيش، ودخل كل منا فلسطين ليشترك في العمليات التي كلفت بها وحدته.
دخلت فلسطين ليلة 16 كانون الأول 1947 مع السرية الاولى من فوج الحسين الاول (2). وعبرنا نهر الاردن ليلاً إلى الضفة الغربية، من مخاضة تقع إلى الجنوب مع جسر المالح.
وفي النصف الثاني من آذار 1948 تلقت السرية أمراً بالتحرك إلى شمال فلسطين لتنضم إلى وحدات الإنقاذ الموجودة في منطقة الجليل بقيادة المقدم أديب الشيشكلي. ولتنفيذ هذه الحركة من المثلث العربي في الضفة الغربية إلى شمال فلسطين كان لا بد من العودة إلى شرقي الاردن والتحرك إلى سوريا فلبنان ثم الجليل، ذلك لأن سهل مرج ابن عامر الواصل بين شمال فلسطين وجنوبها واقع بأكمله تحت سيطرة المستعمرات اليهودية المتحكمة بشبكة الطرق التي تخترقه.
وفي ليلة 20 آذار (مارس) 1948 تحركت السرية إلى الأردن فسوريا، حيث قضت يومين للراحة في معسكرات قطنا. وفي ليلة 23 آذار (مارس) تابعت حركتها إلى الجليل سالكة طريق دمشق ـ بيروت ـ صيدا ـ صور ـ بنت جبيل ـ المالكية ـ كفر برعم ـ الصفصاف (شمال غربي صفد) والتي كانت وقتئذ مقرا لقيادة المنطقة، فبلغناها قبيل الفجر. وتمركزت السرية فيها تمركزا موقتا انتظارا للتعليمات التي تحدد منطقة عملها ومهامها.
كان تعداد السرية حين التحاقها بمنطقة الجليل تسعين مقاتلا فقط نتيجة للخسائر التي كانت اصيبت بها في منطقة نابلس، فأعيد تشكيلها بثلاث فصائل تعداد الواحدة منها خمسة وعشرون فرداً.
وقامت هذه السرية منذ تاريخ التحاقها بمنطقة الجليل إلى تاريخ اعادتها إلى معسكرات قطنا في سوريا يوم 29 أيار (مايو) 1948 بمعارك النبي يوشع ومستعمرة الهراوي ومدينة صفد والمالكية وقدس.
كانت القوة المكلفة بالدفاع عن المدينة تتألف من سرية متطوعين اردنيين بقيادة الرئيس (النقيب) ساري فنيش من الجيش الأردني، يساعده الملازم أميل جميعان وهو ضابط أردني أيضاً، وسرية متطوعين سوريين من فوج المقدم أديب الشيشكلي كانت قد دخلت مدينة صفد لتعزيز الدفاع عنها منذ الأيام الأولى لدخول قوات الإنقاذ إلى منطقة الجليل. وكان يقود هاتين الفصيلتين الملازم هشام العظم، ونحو 300 مسلم من أهالي صفد بقيادة صبحي الخضرا، يفتقدون إلى التنظيم والتدريب والانضباط.
وكانت حامية صفد كلها بقيادة الرئيس (النقيب) ساري فنيش ولم يكن هذا الضابط، حسبما اتضح من مجريات الاحداث، اهلاً لمثل هذه القيادة او قادرا على حمل مسؤولياتها او حتى التحسس بها. وكان ساري فنيش ومعاونه اميل جميعان موضع شكوى مستمرة لتقاعسهما واستهتارهما وتغيبهما المتكرر عن مقرهما القيادي وتركهما المدينة أحياناً خلال الاشتباكات.
كان المقدم اديب الشيشكلي قلقاً للغاية بسبب تردي الموقف في مدينة صفد وكذلك بالنسبة للوضع في مدينة عكا الذي لم يكن أقل سوءاً. فسافر إلى دمشق في ايار 1948 ليعرض الوضع بكل تفصيلاته على قيادة جيش الإنقاذ (العميد طه الهاشمي) املا في الحصول على بعض القوات والاسلحة والذخيرة لتعزيز وحداته المبعثرة في انحاء الجليل من عكا إلى صفد إلى المالكية إلى قرب الناقورة، وهي منطقة يقارب عرضها الخمسين كيلو مترا وعمقها كذلك.


وفي 7 أيار 1948 كانت السرية التي اقودها متمركزة في منطقة اقرت ـ طربيخا. وفي ظهر ذلك اليوم تلقيت برقية انذار صادرة من قيادة منطقة الجليل تقتضي بإعداد السرية للحركة مع إبقاء اقل عدد ممكن في مركزي بوليس سعسع وإقرت ـ بينما تعود السرية من مهمتها او تلتحق بها العناصر المتخلفة.
ومع فجر 8 أيار 1948 وصل المقدم اديب الشيشكلي فجأة إلى مركز بوليس اقرت ومعه فقط جندي مرافق وأبلغني فور وصوله التعليمات التالية: ان السرية ستتحرك إلى صفد لتدخلها اثناء الليل ـ انه سيقوم بذاته باصطحابي وقادة الفصائل اثناء النهار إلى صفد لاستطلاع طريق دخول السرية والاجتماع بقائد حامية المدينة ليطلع منه على آخر تطورات الموقف فيها. وليحدد لنا واجبات السرية والتعرف بصورة اولية على القطاع الذي ستحتله في اطار المخطط الدفاعي عن المدينة.
ـ وفي اليوم التالي وبعد دخول المدينة تستكمل السرية استطلاعاتها تفصيلا ويتم توزيعها على مراكزها الجديدة. ويتم أيضاً تحديد المهمة القتالية لكل مفرزة من مفارز السرية بشكل واضح ودقيق. وحوالي الساعة السابعة من صباح اليوم نفسه وصلت إلى مقر السرية اربع سيارات نقل مدنية مستأجرة فتم تحميل التجهيزات والذخيرة وإركاب الجنود والتوجه إلى قرية ميرون. واصطحبني المقدم شيشكلي معه في سيارته وسبقنا القافلة ليتسنى لنا بلوغ ميرون قبلها بوقت كاف لتحديد منطقة ترجل السرية ومنطقة تمركزها المؤقت ليمكن التوجه بعد ذلك إلى صفد.
وعلمت منه ان فصيلة مدفعية ميدان عيار 75 مم بقيادة الملازم اول فايز القصري كانت قد وصلت بالأمس وانها اخذت مرابضها شرقي ميرون. وتكلم طويلا عن حراجة الموقف في صفد وصعوبة وضع الوحدات المدافعة عنها وتآكلها المستمر بسبب عدم إمكانية تبديلها او تعويض خسائرها. وشكا من قائد الحامية الرئيس ساري فنيش ومن تصرفاته التي لا تدل على تقدير مسؤولية القيادة التي يتولاها. ولم يخف تخوفه مما قد يقدم عليه ساري فنيش فيؤدي تصرفه إلى ضياع مدينة صفد وسقوطها في يد العدو. خاصة ان هذا الضابط يجاهر في كل مجلس ويردد بين جنوده وامام أهالي صفد ان استمرار الدفاع عن هذه المدينة امسى عملية انتحارية من دون ثمن، وان الاحتفاظ بها ضرب من المحال.
وبلغنا حوالي الساعة التاسعة صباحا قرية الصفصاف (مقر القيادة) فوجدنا فيها المقدم عامر حسك، وهو ضابط عراقي وصل منذ بضعة ايام إلى المنطقة وعين رئيساً لأركان القوات العاملة في الجليل. فأعلم المقدم اديب الشيشكلي ان هناك سرية متطوعين على وشك الوصول إلى الصفصاف. وان هذه السرية من المتطوعين الاردنيين وأن قائدها الملازم الاول عز الدين التل وهو أيضاً ضابط اردني. فأعطى المقدم الشيشكلي تعليماته بأن توجه السرية إلى قرية ميرون، كما اوعز إلى المقدم عامر حسك بالمجيء معنا إلى ميرون، وهناك انصرفت الى استطلاع عاجل لاماكن التمركز المؤقت للسرية التي لم تتأخر في الوصول، وبعد اتمام توزيع السرية على مواضعها صعدت الى قرية ميرون وتقع على قمة عالية ومشرفة على مدينة صفد وعلى مستعمرة عين زيتيم القريبة من مدخل المدينة والمتحكمة بالطريق العام الموصل إليها. وابلغت المقدم الشيشكلي بوصول السرية فطلب ان اظل وقادة الفصائل جاهزين للتحرك الى صفد لإجراء الاستطلاع الذي اخطرني به.
وقبل ظهر ذلك اليوم 8/5/1948 وصلت سرية المتطوعين الاردنيين بقيادة الملازم الاول عز الدين التل وكانت تتألف من اربع فصائل كاملة. وكان تعدادها في حدود المئة والثلاثين مقاتلا. وقد ترجلت السرية في منطقة ميرون للاستراحة وانتظار الأوامر.

قرار القيام بالهجوم على الحي اليهودي


في ميرون تداول المقدم اديب الشيشكلي والمقدم عامر حسك في الموقف وذلك بحضوري والملازم الاول عز الدين التل والملازم الاول فايز القصري. وانتهى، بعد ان تيسرت لديه القوات المذكورة الى القرار الآتي: القيام بهجوم من داخل صفد بالتعاون مع هجوم من خارجها على الحي اليهودي فيها لتصفية التهديد الذي كان يمثله. وفي نجاح هذه العملية يتحول الموقف القائم في منطقة الجليل كلها وتنتقل المبادأة الى يد العرب بعد ان كانت حتى ذاك التاريخ بيد العدو.
وفي اليوم ذاته 8ـ5ـ1948 توجه المقدم الشيشكلي الى مدينة صفد عن طريق مركز بوليس الظاهرية، واصطحب معه الملازم الاول عز الدين التل ومعظم قادة فصائل السرية الاردنية ليطلع على آخر تطورات الموقف وإبلاغ قائد الحامية بقراره الاخير وإعطائه أوامره المتعلقة بمهمته، وإعطاء الملازم الاول التل الفرصة للقيام بالاستطلاعات الاولية التي تقتضيها مهمة سريته. وعاد المقدم الشيشكلي مع غروب ذلك اليوم الى ميرون ومعه بعض قادة الفصائل وبعض الأدلاء ليساعدوا في عملية توجيه السرية وإدخالها الى صفد بعد ان استبقى فيها السرية. وتحركت السرية مع آخر ضوء الى مركز بوليس الظاهرية وتم إدخالها فصيلة بعد الاخرى الى المدينة مستخدمة الرواحل لنقل الذخيرة وبعض تجهيزات السرية. وهكذا كانت السرية بكاملها قبل فجر 9/5/1948 داخل صفد وكان امامها النهار كله لاستكمال استطلاعاتها وتلقي واجباتها حتى تبدأ مع آخر ضوء ذلك اليوم احتلال مراكزها الى جوار السرية الاردنية الثانية ضمن ترتيب الهجوم المقرر تنفيذه في ليلة 10/5/1948.
الساعة العاشرة مساء من ليلة 10/5/1948 بدأت الاشتباكات في صفد وقد كان مقدرا ان يقوم الإسرائيليون مثل كل ليلة بمحاولات هجومية على بعض المراكز العربية، خاصة القلعة ولكن الاطمئنان كان كبيراً.
وحوالي الساعة الثانية عشرة ليلا بدأ العدو بقصف مواقعنا بالهاون وبراجمات الالغام التي استعملها لأول مرة تلك الليلة وقد اتضح بعد انتهاء القتال انه كان لها تأثير سيئ للغاية على معنويات المدافعين. وقرابة الساعة الواحدة من صباح 10/5/1948 هدأت الانفجارات وخفت حدة الاشتباكات مع استمرار تبادل النيران بصورة متقطعة.
وحوالي الساعة الثانية والنصف صباحا جاءني مراسل من المقدم اديب الشيشكلي يستدعيني إليه ويرشدني الى مكانه على الطريق العام قريبا من فصيلة المدفعية، حيث وجدت أيضاً الملازم الاول فايز القصري والملازم عبد الحميد السراج. وكان المقدم الشيشكلي في غاية الالم والتأثر يحاول جهده ان يتمالك نفسه. فأعلمنا بأن مدينة صفد سقطت بيدو العدو.

أسباب سقوط صفد


كان الأمل كبيرا في نجاح الهجوم العربي وتحقيق السيطرة الكاملة على هذه المدينة ولم يكن باقيا على ذلك الا ساعات قليلة. غير ان الإسرائيليين كانوا اسبق بالهجوم واستطاعوا انتزاع المدينة من أيدي المدافعين عنها واحتلالها بالكامل. وليس سهلا معرفة الاسباب التي ادت الى تلك المأساة. ولكن وفقا لما افصح عنه المقدم اديب الشيشكلي فيما بعد وما ذكره بعض الذين كانوا داخل المدينة ليلة المعركة يمكن ان نعزو سقوط المدينة الى الاسباب التالية:
1ـ شعور الإسرائيليين بالتعزيزات العربية التي وصلت الى منطقة صفد. واستقدامهم تعزيزات من جانبهم وسبقهم بالهجوم على المدينة واحتلالها.
2ـ استهتار قائد حامية المدينة الرئيس ساري فنيش وعدم شعوره بواجبه، وعدم تقديره لمسؤوليته. وكان هذا يتمثل بغيابه المتكرر عن المدينة من دون العودة للقيادة المرتبط بها.
3ـ تبني قائد الحامية فكرة عدم جدوى الاستمرار في الدفاع ومناداته بذلك بين الضباط والجنود واهالي المدينة من دون ان يلقى حسابا على هذا السلوك الانهزامي.
4ـ تجاهله الاوامر المعطاة له بشأن الهجوم المقرر تنفيذه داخل المدينة ليلة 10/5/1948. وعدم تنفيذه للتعليمات المتعلقة بذلك. وقد اتضحت بعد ايام من سقوط المدينة الحوادث التالية:
ـ عدم قيامه بتعديل التمركز وفقا لتعليمات الهجوم وبروح الحرص على انجاحه.
ـ قيامه بسحب سريته الى جنوب صفد بدلا من تعديل تمركزها وفقا لترتيب الهجوم المقرر لتقوم بتنفيذ الواجبات المحددة لها فيه.
ـ عندما قام الإسرائيليون بهجومهم على مواقع سرية الملازم الاول عز الدين التل (التي لم تكن قد ألفت القتال) لم تستطع الصمود للصدمة وتراجع جنودها من دون انتظام. ولم يبادر الرئيس ساري فنيش، وهو المسؤول الاول عن صفد، الى نجدة سرية عز الدين التل او التدخل بسريته المجتمعة لوقف الهجوم المعادي. بل سحب جنوده وترك المدينة من دون أمر وتابع انسحابه الى دمشق من دون ان يعلم احد بشيء مما اقدم عليه.
وكان اول اشعار تلقاه المقدم اديب الشيشكلي عن سقوط صفد من حامية القلعة (المزودة بلاسلكي) والتي كانت تقاوم الهجوم عليها بثبات.
5ـ كان لسقوط بعض الدفاعات بيد العدو اثر معنوي سيئ وسريع السريان بين الاهلين، ولما شاع أيضاً ان الرئيس ساري فنيش قائد الحامية انسحب هو وجنوده وتخلى عن المدينة، ضعفت روح المقاومة عند المتطوعين المدنيين من السكان وبدأوا يتخلون عن مراكزهم. ودبت روح الفوضى وبدأت عملية النزوح القاسية. ولو ان المقاومة الشعبية تشبثت بمواقعها ودافعت عنها بإصرار ربما امكن وقف تقدم العدو وحصره في اضيق الحدود، وربما امكن في اليوم التالي اعادة الوضع الى ما كان عليه. خاصة ان القلعة بقيت صامدة ولم تتلق حاميتها امراً بالانسحاب الا بعد ان تبين ان الموقف يائس بلا أمل.
وترددت في ذلك الحين شائعة تقول ان انسحاب ساري فنيش من صفد انما كان بالامر. وفقا للرواية التي قالت انه بتاريخ 9 أيار 1948، وهو اليوم التالي لزيارة المقدم اديب الشيشكلي الى صفد وادخاله سرية عز الدين التل إليها وإعطائه تعليمات الهجوم، ذهب الملازم اميل جميعان معاون الرئيس ساري فنيش الى بيروت وعاد في اليوم نفسه الى صفد ومعه برقية من جهة اردنية (لم تحدد) فيها التعليمات التي تصرف الرئيس ساري فنيش بموجبها.
والجدير بالذكر انه تم القبض على الرئيس ساري فنيش فور وصوله لدمشق وأودع سجن المزة ليقدم للمحاكمة باعتباره المسؤول عن هزيمة صفد وسقوطها. الا انه لم يبق طويلا في السجن ولم يقدم للمحاكمة!!