في الذكرى الخامسة والستين للنكبة الفلسطينية المشؤومة مراجعة تاريخية

 

 لعلنا بحاجة الى وقفة مطولة نذاكر ونتذكر فيها ما حدث للشعب الفلسطيني في نيف وستة من العقود المريرة التي مرت عليه.

 

في بداية النكبة خرج أهالينا المنكوبين تحت ظل حراب جيش الانقاذ المزعوم من فلسطين موعودين بالعودة خلال ايام أو اسابيع بعد أن يقوم جيش الانقاذ بتطهير الارض الفلسطينية من قوات عصابات الهاغانا وشترن والـ بالماخ الصهيونية ليعيدوا أهلنا الى بيوتهم سالمين منتصرين

 

ومازال الوعد... ولكن جيش الانقاذ زال وبقي ابناء شعبنا مشردين في اصقاع الارض.

 

بعد سنوات من تيه ابناء الشعب الفلسطيني لم يكن من الصعب على شعب اقام في ارضه لآلاف السنين أن يستطيع أن يصنع نوعاً من الاستقرار الاجتماعي والنفسي ليصحو من هول مفاجأة الخيانة العربية في تسليم الارض الفلسطينية لعدو مستجلب اخترق قصور وتيجان حكام أمة لم تعرف في تاريخها سوى الهزائم منذ سقوط الدولة الاسلامية بسقوط غرناطة.

 

لم يستسلم شعبنا الجبار وبدأ ينظم صفه من جديد، فهو من ناحية اندمج في حياة المجتمعات الجديدة التي انتقل للعيش فيها وأثر وتأثر ايجابياً في حياة هذه المجتمعات بسرعة لم تخطر ببال مؤرخ أو متابع لسلوك المجتمعات التي تتعرض لمثل ما تعرض له شعبنا.

 

وهنا يجب أن نذكر وبدقة أن قضية الشعب الفلسطيني كانت ولا زالت قضية فريدة من نوعها فلم يحدث في التاريخ أن اقتلع شعب بأكمله تقريباً من ارضه واستقر مكانه شعب مفترض تكون من لمامة وشراذم ومنبوذي شعوب الارض ليكون كياناً مصطنعاً قائماً على العزل والعنصرية سمي بالشعب الاسرائيلي.

 

ولم يستسلم شعبنا ايضاً لفكرة الاستقرار فكان من ناحية يعمل ويبني في مجتمعاته المؤقتة الجديدة ويؤثر كما ذكرت آنفاً وكان يتحضر لحمل البندقية استعداداً لخوض حرب تحريره الشعبية من أجل تحقيق هدف العودة والتحرير.

 

انطلقت طلائع الفدائيين الفلسطينيين تناوش عدواً تسلح حتى أظافره بكل اصناف الموت مستعيناً بقوى عالمية كانت قد لفظته مجتمعاتها وضيقت على غيتوهاته المنغلقة والتي كانت تشكل عبئاً اجتماعياً واقتصادياً عليه لكثرة ماكان يحيك من مؤامرات على كل الاصعدة تجعل هذه المجتمعات تعاني من قرف هذا السلوك فقدمت كل ما استطاعت لتلفظ هذه وترميها ظلماً وعدواناً على أرض فلسطين وتساهم في اقتلاع اهلها وتشريدهم في اصقاع الارض.

 

بضعة سنوات قليلة فصلت بين النكبة وانطلاق أول فدائي باتجاه فلسطين قاصداً أرضه وبيته آملاً بأن يحقق النصر والعودة

 

وكان هذا الفدائي يعاني من ويلات وويلات أقلها صعوبة كان مقارعة العدو على الارض المقدسة واسوأها كانت العراقيل التي كان يعاني منها مقاتلنا في الوصول الى تلك الأرض مجتازاً مجموعة من العوائق التي كانت جيوش وعسس الأنظمة العربية التي كان يمر من خلالها للوصول الى هدفه المقدس.

 

وتوج العمل الفدائي الفلسطيني المتواضع والجبار في آن بانطلاق الثورة الفلسطينية في الفاتح من يناير عام 1965 بعد أن خاض العديد من قادة هذه الثورة معارك شرسة لتحرير منظمة التحرير الفلسطينية من براثن حكام العرب الذين اسسو هذه المنظمة لتكون الكيان الذي يجمع قيادات شعبنا وتكون هذه المنظمة العوبة في ايديهم يتحكمون بمصير وحركة هذا الشعب بناء على ما يمليه عليهم سادتهم في العالم الاستعماري.

 

استمرت ثورتنا الفلسطينية المجيدة ما ينيف عن السنوات الثلاث تقارع العدو الصهيوني وتذيقه الويل وتحرمه من الراحة والنوم في العسل الذي تصوروا أنهم سينالونه في احتلالهم لأرضنا.

 

وجاءت هزيمة العام 67 التي ما تمت لولا تخاذل وخيانة وتآمر العديد من النظمة العربية جاءت لتكرس وجود ذلك الكيان القميء المصطنع ولتقيم دولة الصهاينة على كامل التراب الوطني الفلسطيني.

 

ولكن ثوارنا البواسل لم تفتُّ الهزيمة النكراء من عضدهم بل زادتهم قوة واصراراً على الاستمرار في المقاومة ورفعت شعار (الكفاح المسلح استراتيجية وليست تكتيكاً )وهو ما اصبح أحد أهم البنود في  الميثاق الوطني الفلسطيني.

 

وانطلقت تتم مهاماتها الهادفة الى تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني، فكانت باكورة انتصارات هذه الثورة في معركة الكرامة عام 1968 حيث لقن فدائيونا العدو درساً صار معه عدونا مصمماً أكثر فاكثر على كشر شوكة هذه الثورة العظيمة.

 

واستمرت العمليات الفدائية انطلاقاً المؤامرة الكبرى والتي وضع تفاصيلها حكماء صهيون وجندوا لتنفيذها حكام بني يعرب اخذت منحى جديداً ، حيث كشرت الانظمة العميلة عن أنيابها وبدأ اللعب يصبح مكشوفاً وأعلنت الحرب على ثورتنا بداية في مشروع روجرز عام 1968 وتتوجت في مجازر أيلول الاسود في الاردن في العام 1970.

 

وجاءت حرب اكتوبر 1973 لتعيد للمقاتل العربي شيئاً من هيبته وتحقق شبه انتصار تحول الى وهم بعد الخيانة الفاضحة التي مارستها الأنظمة وعلى رأسها السادات المقبور ، وباتت جبهة الصراع العربي الصهيوني جبهة خامدة باردة وكان خروج الثورة الفلسطينية قبلا الى لبنان تحولا في مسار ووجهة بوصلة هذه الثورة بشكل دراماتيكي جعله ارضية وأساساً لكل التطورات التي واكبت القضية الفلسطينية بشقيها السياسي والعسكري.

 

وكان اشتعال الحرب الأهلية في لبنان هو ذروة الانكسار الذي عم المنطقة وأثر بشكل كبير على مسار هذه الثورة التي أثنى عليها القاصي والداني واعتبرها عظماء ثورات شعوب الارض قدوة لثوراتهم كالجنرال جياب والمناضل الاممي تشي غيفارا.

 

وغرقت منظمة التحرير وفصائلها المتعددة في مستنقع الحرب الاهلية اللبنانية وتورطت قيادات منظمة التحرير وفصائل الثورة في الانخراط الكامل في أتون هذه الحرب القذرة.

 

وتوالت الاحداث من الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1978 والاجتياح الثاني في العام 1982 وخروج منظمة التحرير وفصائلها من لبنان وتشريد مقاتليها في صحاري البلاد العربية وصلاً الى مجزرة صبرا وشاتيلا التي قدمت للشعب الفلسطيني والشعوب العربية صورة مفصلة عن الحال الواهن الذي وصلت اليه الأنظمة والشعوب العربية .

 

الشعوب العربية تلك التي تغنى بها كتاب وادباء الامة وعول عليها شعبنا المغبون بينما كانت هذه الشعوب تهلل للفريق الجزائري في مباريات كاس العالم 1982 بينما كانت طائرات العدو تسقط ملايين الاطنان من القنابل فوق بيروت وتحتل ثاني عاصمة عربية ولم تكن الأخيرة، وكان حكام وأمراء الخليج يلعبون البوكر في روما ومونت كارلو وباريس ولندن وينثرون الدولارات على أفخاذ الراقصات المتعريات في ملاهي اوروبا والقاهرة.

 

وكان أقوى الضربات التي تعرضت لها الثورة الفلسطينية حيث بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة في الانشقاق الذي حصل في جسم منظمة التحرير وحركة فتح باكورة الثورة وأمها الرشيدة ، والاقتتال الفلسطيني الفلسطيني في طرابلس والذي لعبت ايدي الانظمة العربية فيه دوراً كبيراً فسقطت كل الاقنعة وبانت الصورة لشعبنا الفلسطيني واضحة ...أنه وحده في الميدان في مواجهة عدو مغتصب وأخوة أعداء لا ينتمون لهذه الامة سوى بالشعارات.

 

وجاءت بعدها حرب المخيمات الأولى والثانية والتي استهدفت بشراسة الوجود الفلسطيني المدني والعسكري في لبنان وكان الاقتتال الفلسطيني الثاني في العام 1987 القشة التي قصمت ظهر البعير فسقطت الثورة الفلسطينية صريعة ولم يبتبقى منها شوى دكاكين فصائلية تدين بالولاء لهذا النظام أو ذاك.

 

ماتت الثورة الفلسطينية قولاً وفعلا وسقط مفهوم الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية طويلة المد وبدأت تصدر من هنا وهناك مقولة التسوية والحل السياسي للصراع الفلسطين الصهيوني.

 

وجاءت كلمة الشعب الفلسطيني مرة أخرى مدوية أن لا تراجع ولا استسلام وتكرس مفهوم القرار الفلسطيني المستقل عندما أعلن شعب الجبارين ثورته الشعبية الثانية متمثلةً في الانتفاضة الفلسطينية الأولى وعاد عدونا الصهيوني ليغرق في مستنقع اجرامه وأخذت الانتفاضة التي اعلنها الشعب بعفوية مطلقة تشكل ضغطاً شديداً على الكيان الصهيوني محققة به خسائراً فادحة منحيث الهجرة المعاكسة وانحطاط الاقتصاد واللحمة المجتمعية الهشة أصلاً داخل ذلك الكيان.

 

ارتفع صياح القادة الصهاينة طالبين النجدة من حلفائهم الغربيين وامريكا ومن عملائهم العرب ، فجاءتهم النجدة من حرب الخليج الاولى حيث أعلن عقد مؤتمر مدريد واستُقطِبَ اليه القيادة الفلسطينية متمثلة بالتيار المؤيد للتسوية والكومبرادور الفلسطيني الذي تتداخل مصالحه مع مصالح العدو الصهيوني ، فجلس على طاولة المفاوضات اسماء ما أنزل الله بها من سلطان لم يسمع بها شعبنا يوماً ولا ورد الى علمه واحداً منها كان على راس كتيبة أو سرية مقاتلة يوماً.

 

وكانت الطامة الكبرى والنكبة الجديدة بتاريخ شعبنا المظلوم بإعلان اتفاق اوسلو الذي هضم تسعة اعشار حقوق الشعب الفلسطيني في عودته وحقه بتقرير مصيره ، وتولت القيادة الفلسطينية الدفة عن العدو الصهيوني ففككت خلايا الانتفاضة المجيدة وقتلتها في مهدا وبنت السلطة الفلسطينية على عجل العديد من السجون الجديدة مضافة الى السجون التي استلمتها من عدونا التاريخي لتتحول السلطة الفلسطينية الهزيلة الى نظام عربي ديكتاتوري بامتياز يقوم مقام الدولة الصهيونية في قمع المقاومين واعتقالهم وتصفيتهم.

 

وتحولت فلسطين الى (دكان مخترة) في غزة واريحا التي لم تتأخر القيادة الفلسطينية في تحويل الاخيرة بعد (تحريرها) الى ماخور كبير ومجمع ملاهي ومراقص ليلة يرتع فيها قادة الشعب الفلسطيني الذي لم يخترهم ولم يكن له ارادة في وجودهم جاثمين على صدره وصدر قضيته المقدسة لتتحول القضية الفلسطينية بعدها الى مسلسل مكسيكي طويل من المفاوضات الفاشلة والتي كرست وجود الدولة الصهيونية الصنيعة وحولتها الى دولة شرعية الوجود باعتراف رسمي فلسطيني ولا اقول شعبي.

 

وتحولت فلسطين الى ضفة وقطاع ابتلع العدو في أكثر من اثنين وعشرين عاماً من المفاوضات ما تبقى من أراضيه وأحاط مدنها بالمستوطنات التي شكلت طوقاً حديدياً لا يسمح لها بالتنفس ومتابعة الحياة.

 

وجاءت كلمة الشعب الفلسطيني مرة أخرى مدوية في انطلاقة الانتفاضة التي كانت مدوية بقوة وعنفوان اذهل القيادة العميلة والعدو الصهيوني في آن معاً ، وانطلقت البندقية الفلسطينية مرة أخرى لتسطر ملاحم البطولة ولكن هذه المرة من داخل الارض الفلسطينية بقرار شعبي فلسطيني مستقل لا تسطيع اصابع الأنظمة العميلة معه شيئاً فهزت الانتفاضة أركان الكيان الصهيوني وعادت الهجرة المعاكسة للمستوطنين الصهاينة ونزلت مؤشرات الاقتصاد الصهيوني على نحو خطير باتجاه الدمار حتى اقربت من الصفر تقريباً.

 

ولكن عدونا كان لهذه الانتفاضة بالمرصاد فقد رصد لها سرطاناً خبيثاً زرعه في جسم الشعب الفلسطيني متمثلاً في قيادته التفاوضية وجاءت محاولة الشهيد القائد ابو عمار في اصلاح أخطائه التي ارتكبها في مسايرة اعضاء قيادته وانجراره نحو التسوية متأخرة مثقلاً بالضغط الذي مورس عليه من الانظمة التي شردته ومقاتليه في اصقاع الارض والضغوط التي مورست عليه من رموز التسوية التي زرعنها استخبارات العدو واستخبارات الدول الغربية والعربية في جسم المنظمة حتى بات مسقطاً في يده مضطراً للدخول في دوامة المفاوضات البائسة والتي توجت في قتله مسموماً في مقره بمقاطعة رام الله .

 

سقط ابو عمار وسقطت معه آخر اعمدة المقاومة المتهالكة وبدأ عصر فلسطيني جديد من التنازلات التي توجها الخائن محمود عباس بإعلانه أن لا ارضاً تاريخية للفلسطينيين داحل الاراضي المحتلة منذ العام 1948 وأن لا حق لفلسطينيٍ بالعودة وأن المفاوضات هي السمة الاساسية والوحيدة لملامح المرحلة المتبقية من عمر هذه القضية.

 

ولكن الكلمة الأولى والاخيرة تبقى دائماً للشعب ولا أحد غير الشعب من يقرر مصيره ومستقبله فكانت مقامة شعبنا في غزة التي تمكنت من الانفلات من عقال هذه القيادة الخائنة فكان الانتصار والتحرير وخروج العدو الصهيوني منكسراً من غزة واحتفلت غزة هاشم بعرس الانتصار الذي لم تدم فرحته طويلاً حيث قتلت هذه الفرحة حصار صهيوني عربي للقطاع وخطة ممنهجة لتدمير هذه الانتصار وتحويل القطاع الى معتقل كبير ، وكانت مؤامرة ما يسمى بالانقسام الاداة الأمثل لإشغال اهلنا في غزة عن متابعة نضالهم ومقاومتهم على طريق التحرير

 

وكان وضع اهلنا في الضفة لا يقل سوءاً عن وضع اهلنا في القطاع فسطوة جلادين الامن الوقائي وعمالة رموز التفاوض وقيادة السلطة ومن وراءهم جيش العدو كانوا جميعاً لأهلنا بالمرصاد حيث مرست عليهم كل وسائل القمع والاذلال بالقوة والقمع والاعتقال ورغيف الخبز والاجتياحات المتكررة للمدن الفلسطينية واستباحة الارض والبيوت والمساجد لجنود العدو بينما يقف ازلام السلطة حماة لهم لينجزوا ومهامهم أو يقوم هؤلاء الازلام بالقيام بهذه المهمات بالنيابة عن العدو.

 

خمسة وستون عاماً من المعاناة الفلسطينية عانى فيها هذا الشعب من ويلات لم يسجل التاريخ القديم والحديث مثيلاً لها وبقي صامداً صابراً يقدم الشهيد والاسير والمعتقل ويبقى معلناً أن قوة الشعب ارادة لا تقهر مهما كانت الخيانة مستفحلة في جسده الطاهر ومهما عظمت آلامه ومهما كانت قوة عدوه وعمالة ابناء عمومته وأخوته.

 

منذ ايام اثبت الاسير سامر العيساوي أن كياناً هائلاً بقوته وجبروته وسلطة هزيلة عميلة بدناءة قيادتها وعالماً صامتاً متجاهلاً لآلامه لم تستطع ان تنتصر في معركة الامعاء الخاوية التي خاضها وانتصر فيها وكان فرداً واحداً يفاوض دولة بحجم الكيان الصهيوني

 

اليوم وبعد خمس وستون عاماً من النكبة تغمض عين خنساء فلسطين قريرة مطمئنة أن شعبنا منتصر لا محالة وتغادرنا أم جبر وشاح ام شهداء فلسطين وهي توصينا بأن لا نترك الراية بأيدي من يدنسونها بخيانتهم وعمالتهم

 

ويدرك شعبنا اليوم بأن النصر له لا محالة فما قد سردته من تاريخ لهذا الشعب الجبار لهو دليل بأننا منتصرون لا محالة وأننا عائدون عائدون عائدون

 

(يرونها بعيدة ونراها قريبة وأنا لصادقون)

 

                                                صدق الله العظيم

                                                الشتات في ليلة 15 -05-2013