امل كعوش - فنانة فلسطينية من ميرون - صفد

امل كعوش - فنانة فلسطينية من ميرون - صفد .

ميرون - صفد على قمصان حملة راشيل كوري للعودة
......................................................................
على متن سفينة راشيل كوري التي كان من المقرر لها أن تصل شواطئ غزة في الخامس من حزيران 2010، وُجِدَت تلك الفتاة، بِصَمتها المطبق وجديلتيها المتدليتين على كتفيها، منتظرةً أن تطأ قدماها أرض فلسطين لأول مرة بعد سنوات طويلة من الغربة، لكن «ميرون» لم تلتق بفلسطين كما كان مقدراً لها، لأن القوات الإسرائيلية احتجزت السفينة ومنعتها من الوصول إلى غزة، وكل ما استطاعت رؤيته هو ضباب من أحلامٍ بعيدة وصورة غير واضحة لشاطئ غزة بأمواجه المتكسرة حزناً وحصاراً.
«ميرون» هو الاسم الذي حملته ذات الجديلتين في رسومات أمل كعوش، وهي ذات الفتاة التي ارتسمت على قمصان المتضامنين في مركب «راشيل كوري» بعد اختيارها لتكون شعاراً على صدور هؤلاء لما تمثله من مضامين شخصية وإنسانية تحوّلها من مجرد فتاة في رسم كاريكاتوري من حبر وورق وخطوط وخربشات، إلى واقع يروي قصة شعب بأكمله بجميع تفاصيل حياته اليومية، وهمومه وأفراحه وأحزانه وعاداته ومشكلاته ومنفاه وعذاباته.
بدأت الحكاية عندما قدّمت رسّامة الكاريكاتور الفلسطينية أمل كعوش العام الماضي إلى موقع حملة «غزة حرة» رسماً كاريكاتورياً لميرون على ظهر مركب ذي شراع على شكل خارطة فلسطين، لتصلها رسالة بعد فترة من قبل «غريتا برلين» وهي من مؤسسي الحركة تطلب أن تكون ميرون وشراعها على قمصان المشاركين في الحملة على متن مركب راشيل كوري.
بالطبع كان لهذا الخبر وقعٌ جميلٌ على أذنيّ أمل التي وافقت على الفور أن تصل ميرونتها الصغيرة إلى غزة شاعرةً أنها تحقق خطوةً جديدةً نحو فلسطين إذ تقول: «هو شعور خاص جدا لتمكنّي كفلسطينية ممن يحملون بطاقات اللجوء أن أصنع ما يمكنه بلوغ فلسطين ليس فقط عبر الانترنت أو الشاشات بل بشكل شعار لحملة عادلة وجريئة كحملة فك الحصار عن غزة «قافلة الحرية»؛ فمشاركة ميرون في تلك الحملة هو أمر يعزيني كوني لا أستطيع دخول فلسطين شخصياً بسبب تصنيفنا كلاجئين خارج الوطن».
لكن «ميرون» لم تصل هذه المرة إلى غزة، وهنا كانت الصدمة؛ فباحتجاز القوات الإسرائيلية للسفينة وأخذها إلى ميناء أسدود تبدد الحلم في لقاء «ميرون» بفلسطين، وهو الحلم الذي يحمله كل لاجىء فلسطيني في المنفى، فـ«ميرون» لا تخص أمل وحدها كما أنها ليست رسماً كاريكاتورياً طُبع على قمصان المتضامنين فحسب، بل هي تمثل كل فلسطيني لم ير وطنه ويحلم بلقائه في يوم من الأيام.
وهكذا اكتسبت ميرون وعملية منعها من دخول غزة، بعداً شخصياً فلسطينياً خاصاً تعبر عنه أمل قائلة: «بالرغم من أننا معتادون على وحشية الاحتلال إلا أنه يرينا مرة بعد أخرى طرقاً وأنواعَ جديدة من الوحشية لم يسبق أن رأيناه قبلاً».
و«ميرون» الصغيرة تبلغ من العمر خمس سنوات فقط، حيث بدأت الفنانة الفلسطينية أمل كعوش المقيمة في لبنان، برسم خطوط وجهها وجديلتيها بطريقة كاريكاتورية مستحبة، مستوحاة من الواقع الفلسطيني؛ فأمل تقول من خلال ميرون ما لا تستطيع قوله كلاماً أو كتابةً سواء عبّرت عن مشاعر شخصية داخلية أو حالة فلسطينية عامة إذ تقول أمل: «كأي رسام كاريكاتيري أتناول مواضيع عدة في رسوماتي تتفاوت ما بين الاجتماعي والسياسي وتكون عادة بطريقة ساخرة تعبر عن غضب أو حزن أو أمل أو واقع معاش».
وشخصية «ميرون» بخلاف شخصيات أمل الأخرى تظهر في الرسومات صامتة، وهي فتاة تحب القمر الذي يظهر مرافقاً لها معبراً عن فكرةٍ ما أو مشاعرَ معينة تخص الرسمة ذاتها والحدث بعينه، كما تظهر «ميرون» دائماً بجديلتين متدليتين على كتفيها وذلك رمز للأنوثة والطفولة إضافة إلى أنهما ترمزان إلى صورة المرأة الفلسطينية الرقيقة والقوية التي تظهر باستمرار في الشعر الفلسطيني.
وربما أن ما يميز «ميرون» حقاً هو جمعها لعدة أشياء في آن واحد، فهي الطفلة الفلسطينية المهجرة، والقرية المغتصبة، والحلم الفلسطيني في آن واحد؛ فميرون تحمل اسم قرية أمل كعوش المهجرة، وهي قضاء صفد، حيث حملت الاسم صدفة لأن أمل كانت قد أطلقت على مدونتها التي تنشر فيها رسوماتها اسم «ميرون» فلاصق هذا الاسم ذات الجديلتين وبقي معها طوال هذه السنين، فأصبحت «ميرون» الطفلة، هي «ميرون» القرية وهما الاثنتان تعيشان داخل أمل وتلازمانها على الدوام.
إلى جانب ميرون ترسم أمل شخصيتين أخرتين تتكرران في أعمالها وهما شخصية «صامد» الفتى الملثم الذي يعبر عن الشاب الفلسطيني بطريقة ساخرة وهو يجيد الكلام خلافاً لميرون الصامتة دوماً، كما هناك شخصية أطلقت عليها اسم «ولدٌ» وهو كاسمه ولد صغير شقي يقوم بالقفز فوق أوراق الدفاتر.
وسواء «ميرون» أو «صامد» أو «ولد» فإن أمل ترسم لتعبّر عن نفسها وعن الحالة الفلسطينية، وبالرغم من منع إسرائيل «ميرون» من الوصول إلى فلسطين إلا أن أمل تعتقد أنها موجودة هناك، «فما لا يعلمه المحتل هو أن ميرون تركض كل يوم على شاطئ غزّة، وترفع طيارة ورق في الهواء تحمل شعاراً واحداً: فلسطين حرة»... هكذا تختم أمل حديثها بتفاؤل ممزوج بالحزن لعلها تستطيع يوماً أن تدخل هي و«ميرونتها» إلى فلسطين دون أن يستطيع الاحتلال منعهما من ذلك.