رؤية لإعادة إحياء ثقافة حق العودة واستمرارها

 

رؤية لإعادة إحياء ثقافة حق العودة واستمرارها

تعرّض الإنسان الفلسطيني على مدار 65عام الماضية، منذ مطلع العام 1846 حيث بدأت حملات التهجير القسرية الفعلية والمخططة للإنسان الفلسطيني، إلى حملات شرسة من القتل والتشريد وتجريد من الهوية، وعدد كبير من المساومات السياسية على حقه في العودة والتعويض، فبالإضافة إلى الحقائق المعروفة في قضية الإنسان الفلسطيني من:

  • إجبار ما يزيد عن 800 ألف إنسان على ترك أماكن سكنهم الأصلية، والرحيل إلى مناطق خارج الوطن، ليعيش هؤلاء في الشتات والمخيمات في الدول العربية المجاورة، في كل من سوريا، ولبنان، والأردن، وكذلك في مصر والعراق، إضافة إلى التشتت في العديد من دول العالم المختلفة.
  • تدمير ما يزيد عن 540 قرية وبلدة فلسطينية وإزالة معالمها عن وجه الأرض بصورة كاملة، دون ترك أي اثر يدل عليها، بل ما تبع ذلك من إقامة كيانات ومستوطنات وقرى، تحمل الأسماء العبرية ويسكنها المغتصبون القادمون من بقاع العالم.
  • أضف، إلى ذلك تنفيذ ما يزيد عن 100 مذبحة نفذتها عصابات القتل والإرهاب الصهيوني. فقتلت هذه العصابات آلاف من الأطفال والشيوخ والنساء، كما أحرقت البيارات والأراضي الزراعية واقتلعت وأحرقت ألاف الأشجار المثمرة.
  • استيلاء العصابات الصهيونية، وتحت حماية جيش الاحتلال البريطاني على:
    • أكثر المناطق خصوبة في فلسطين، ومنها مناطق السهل الساحلي المزروعة بالبيارات والخضروات، وسهل مرج بن عامر، وسهل بحيرة طبريا، وغيرها من المناطق الزراعية.
    • احتلال المناطق، والسيطرة الكلية على المواقع الإستراتيجية المشرفة على الطرق والمناطق الحدودية الدولية لفلسطين مع الدول المجاورة.
    • الاستيلاء على مصادر المياه، من منابع، وآبار ومصادر مياه جارية وموسمية، وغيرها، وفي معظم المناطق في الشمال، حيث العديد من الأنهار والينابيع، وفي الجنوب حيث المياه الجوفية، وكذلك في وسط البلاد.
    • طرح الكثير من المبادرات والسيناريوهات السياسية التي أثرت سلبياً وبوضوح، على جذرية مبدأ حق العودة، حتى أن نقاش هذه المبادرات، والجدل حولها، قد أثر بشكل سلبي على مواقف الكثير من المتابعين والمساندين من العرب والأجانب.
    • لعلّ أخطر ما تعرضت له قضية اللاجئين الفلسطينيين هو الهجمات الشرسة التي هدفت، وما زالت، إلى إبعاد الإنسان الفلسطيني عن طرح الحقائق والمعلومات الخاصة بحق العودة وتداولها، وما جرى للإنسان الفلسطيني إبان الهجرة، من مذابح وغيرها.

على أن ما نتج عن هذا كله هو استمرار الحياة في الشتات، لما يزيد عن ستة ملايين لاجئ فلسطيني في وقتنا الحاضر ، وذلك حسب إحصائيات عام 2009 ، وما يواجهه هؤلاء من صعوبات يجعل حياة اللجوء، التي هي الأطول على مر العصور، هي الأصعب، وذلك لعدم وضوح الرؤيا فيما يتعلق بحل قضيتهم في الحق بالعودة والتعويض ، فالفلسطينيون اللاجئون يعاملون في عدد من الدول ، العربية والأجنبية ، وفق واحدة من الرؤى الآتية:

  • رؤية مواطنين عاديين لهم الحق بالتعلم والتعليم والحياة السياسية والثقافية والحفاظ على الهوية الوطنية ( ثقافية)، ويحملون جوازات هذه الدول.
  • رؤية مواطنين من الدرجة الثانية ليس لهم الحق بالتعلم أو العمل أو حتى التعليم العالي، أو الحياة السياسية، ولا يحصلون على الخدمات الكافية، ويحملون وثائق سفر مؤقتة، ولا يعترف بحقهم بالثقافة وممارستها.
  • رؤية مقيمين فقط، أي ليس لهم الحق في أي من الحقوق التي قد يحصل عليها أي إنسان، ويعاملون بوصفهم مجموعات من الدرجة الثالثة، ويعيشون في بيئات وأجواء حياة سيئة جدا من ناحية صحية وخدماتية.
  • فقدانهم للهوية والمواطنة في عديد من الحالات، وتعرضهم حتى لحملات السلخ عن هويتهم الوطنية نتيجة الممارسات الشديدة والتعسفية ضدهم.

وبعيدا عن كل ما سبق فقد تعرضت قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم قي العودة والتعويض إلى الكثير من المناورات والأطروحات السياسية التي كان لها تأثير سلبي على هذه القضية ، حتى أنها قد استطاعت أن تهز عددا من المبادئ والرؤى الأساسية في هذه المسالة ، أما إذا تركنا هذا الأمر جانبا على أهميته ، فإن الإنسان الفلسطيني ، في الداخل والخارج تعرّض، وما زال، إلى حملات منظمة وقوية ومدعومة ماديا وبقوة من عدد من الجهات التي تعمل على وقف قضية اللاجئين، ووقف الحديث عنها بتطبيق نصوص الاتفاقيات والقوانين الدولية ذات العلاقة.

إن استمرار عدم تداول الحديث، عن حق العودة ، وتجهيل الأجيال الحالية والقادمة من الشباب والفئات العمرية المبكرة من معرفة الحقائق المتعلقة بحق العودة يعدّ كارثة حقيقية، وبالتالي لا بد من طرح الثوابت المتعلقة بهذا الحق، وتعليمها للأجيال في المدارس والجامعات من خلال شتى الطرق والوسائل المتاحة.

 
ولعلنا يجب أن نعمل بقوة وجدّية في هذا الإطار، حتى لا تتحقق المقولة الصهيونية ( الكبار يموتون والصغار ينسون)، من أجل ذلك يجب أن نعمل من أجل استمرارية ثقافة حق العودة.

ونحن نستطيع أن نعمل ذلك من خلال عدة خطوات أساسية، أهمها:

  • تجميع الأطر والجهود العاملة في مجال قضية اللاجئين تحت مسمى واحد في الوطن وفي الخارج، والعمل ضمن خطة عمل موحدة في مختلف المواقع، لتحقيق أهداف موحدة متفق عليها.
  • وضع قضية العمل من أجل إحياء ثقافة حق العودة على سلّم أولويات مؤسسات العمل المدني الفلسطينية، وطرحها في مختلف الأنشطة، وبخاصة التثقيفية والتدريبية.
  • إيجاد منهاج واحد ، قابل للتجديد، لتناول هذه الثقافة وتجديدها باستمرار.
  • العمل من خلال الوسائل المختلفة كالتلفزيونات المحلية، والوطنية، والعربية، والعالمية المساندة للحقوق الفلسطينية على عرض الحقائق والأرقام والشعارات التي من شأنها إعادة حق العودة والتعويض، إلى واجهة الحدث والحوار السياسي الدائر.
  • إعادة معلومات اللاجئين وما جرى لهم من قتل وترويع إلى المناهج الفلسطينية، بدءا من المرحلة الأولى وحتى المرحلة الثانوية، وإدخالها متطلبا إجباريا في الجامعات الفلسطينية أسوة باللغة العربية، والثقافة الإسلامية، واللغة الانجليزية، وغيرها من المواد.
  • نشر عدد كبير من المطبوعات والنشرات والأفلام الوثائقية، والأعمال الفنية وترويجها، بمختلف الأشكال، مما  تتناول قضية اللجوء وما جرى للاجئين، وباللغات المختلفة لأن عددا كبيرا ، حتى من المناصرين لقضايا الإنسان الفلسطيني لا يعرفون الكثير من الحقائق والمعلومات المتعلقة بما جرى للإنسان الفلسطيني.
  • إعداد دراسات ذات منهجية علمية، موثقة، لربط ما جرى ، ويجري، للإنسان الفلسطيني، وربطها بوضوح بالمواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وفضح ما جرى من ممارسات قتل جماعي وإبادة للقرى والمدن واقتلاع للإنسان وتقديمها على أنها جرائم حرب وإبادة جماعية، وضرورة معاقبة القائمين عليها ومنفذيها، وألا يسقط هذا الأمر بالتقادم أو مرور الزمن.
  • عرض الأفلام الوثائقية والمعلومات الأخرى حول النكبة من خلال الفعاليات اليومية لمؤسسات العمل المدني الفلسطينية في مختلف المناطق، وبشكل خاص في الشتات.

رؤية عملية لإحياء ثقافة حق العودة
يحتاج العمل، لتحقيق ما ورد في البنود السابقة إلى جهد مكثف ويومي من مجموعة من المؤسسات الرسمية والأهلية، ولعل أهم ما يجب تنفيذه:

  • استحداث وزارة ضمن هرم السلطة الوطنية الفلسطينية، وبخاصة لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ومتابعة مجمل القضايا الخاصة بهذا العدد الكبير(ستة ملايين لاجئ فلسطيني)، وكل ما يتعلق بحياتهم.
  • العمل من خلال السفارات والممثليات الفلسطينية في الخارج على إقامة المعارض والندوات التي تتناول قضية اللجوء الفلسطيني والشتات، وذلك من باب المعايير والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، والتدليل على ذلك بالوثائق والقرائن الحية.
  • عمل المؤسسة الرسمية والأهلية الفلسطينية لجعل قضية اللاجئين وحقهم في العودة والتعويض قضية دائمة على أجندة الجامعة العربية والسفارات العربية في الدول الغربية، والتنسيق لذلك بتوفير المعلومات الدقيقة، والقرائن الموثقة لعرضها في المحافل الدولية.
  • جعل الحديث عن قضية حق العودة والتعويض من القضايا الأساسية في حديث السياسيين الفلسطينيين، وتناولها كما يتم تناول قضية القدس، ووقف الاستيطان، والتأكيد دائما على أنه لا حل إلا بعودة اللاجئين الفلسطينيين، ونيلهم حقوقهم بالعودة والتعويض.
  • وجوب قيام الجامعات والمؤسسات البحثية، في القطاعين العام والخاص، بعمل أكثر وضوحا وجذرية في هذه القضية، وإعادة الصورة الغائبة حاليا إلى مكانها الطبيعي.
  • العمل مع الدول العربية بشكل عام من أجل إضافة بعض المعلومات المتعلقة بقضية اللاجئين الفلسطينيين إلى المناهج الدراسية في دولها، وكذلك ضمن مناهج الجامعات بوصفها مواد اختيارية وإجبارية.
  • العمل مع الدول التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين من أجل تحسين الأوضاع المعيشية، وفرص العمل، والتعليم والخدمات الصحية، والخدمات الأخرى للفلسطينيين المقيمين فيها.
  • على الصعيد الفلسطيني، هناك حاجة ماسة وطارئة جدا من أجل العمل مع جيل الشباب الفلسطيني لإحياء كل ما يتعلق بثقافة حق العودة ومعلومات اللاجئين، وما تعرضوا له، ويكون ذلك من خلال:
    • إدخال هذه المعلومات بصورة تدريجية، وبشكل مدعم بالصور والوثائق إلى مناهج الدراسة في المدارس الفلسطينية وفي مختلف المراحل.
    • إدخال هذه المعلومات في حقل إجباري للأبحاث والدراسات في الجامعات الفلسطينية، والتركيز على هذه القضية في مناحي الدراسات الفلسطينية، والعلوم السياسية، والصحافة، والإعلام، وعلم الاجتماع، والدراسات البيئية، والصحية والاقتصادية، وغيرها من المناحي.
    • جعل قضية اللاجئين قضية محورية ضمن نشاطات وزارة الشباب والثقافة، والإعلام، والأوقاف وغيرها، وكذلك ضمن الفعاليات الأساسية للنوادي الشبابية.
    • طرح المسابقات المقترنة بجوائز جيدة المستوى للأبحاث التي يمكن أن تنفّذ حول هذه القضية.
    • عقد المؤتمرات، وورش العمل في هذا الموضوع باستمرار، على أن تتولى السلطة الوطنية الفلسطينية تخصيص موازنة جيدة لذلك.
    • تنفيذ حملة خريطة في كل مكتب، وهذا أمر في غاية الأهمية، حيث يجب أن تعلّق قي المكاتب التابعة للسلطة، بوزاراتها ومؤسساتها المختلفة، والمدارس خريطة فلسطين التاريخية التي تحتوي المعلومات المتعلقة بأسباب اللجوء، وما تم تنفيذه من مذابح وعمليات قتل ، وكذلك ما تم مصادرته من أراضٍ، إضافة إلى معلومات عن القرى والمدن المدمّرة، وأن يتم ذلك أيضا في المؤسسات المدنية الأخرى.

هذه أفكار قابلة للتطبيق على الأرض إذا كنا معنيين حقا في الحفاظ على حقوقنا في هذه الأرض (فلسطين)، وما تحتوي من عراقة أصيلة، يشير كل ما فيها إلى هويتها الفلسطينية.