المقاومة في الفلولكلور الفلسطيني - نمر سرحان- دراسة

     وقبل أن نخوض في تفاصيل دراستنا للفولكلور الفلسطيني المقاوم في الفترة من  عام 1967-1974، لابد من أن نوضح الاعتبارات التالية:

 

      أولا: إن حالة الشتات التي يعيشها شعبنا تجعل من الصعوبة بمكان دراسة كافة النصوص التي فاض عنها وجدان شعبنا، فهناك أهلنا وراء أسوار الاحتلال، وهناك الأهل المشتتون عبر الأراضي العربية في مخيمات المنفى في الأردن وسورية ولبنان، وأشتات أخرى في الأرض العربية والعالم. ولا يمكن القول بان الباحث الحالي قد تمكن من جمع كافة النصوص ذات الدلالة. ومع ذلك فإنني أرى أنه لابد من نشر النصوص المتوفرة ضمن هيكل تقريبي لدارسة الفولكلور المقاوم كواجب تسجيلي يفرضه الإحساس بضرورة إبراز موقف شعبنا من خلال أكثر مواقفه صراحة وجرأة وعفوية، وان الكاتب الحالي ليأمل بأن تسهم أقلام فلسطينية أخرى في سد ثغرات هذه الدراسة وإكمال نشر مجموعات النصوص التي فاض عنها وحدان شعبنا في لحظات الحزن ولحظات النشوة، وعبر مواكب الثوار الحاشدة في ساحات القرى والمدن العربية والفلسطينية، سواء منها تلك المواكب الهاتفة الهازجة في تظاهرات الرفض عبر أحداث التغيير في الوطن العربي، أو  مواكب تشييع شهداء الثورة الفلسطينية… وما أكثرها!

      ثانيا: إن الكثير من النصوص التي فاض عنا وجدان شعبنا تحمل مضامين ذات حساسية مفرطة بالنسبة للأنظمة والزعامات العربية، وان إغفال مثل تلك النصوص بداعي وحدة التحرك العربي يمهل مواقف ذات وهج ونكهة خاصة وتشكل معلما من معالم أفكار وحياة شعبنا الذي أمضى حياته على طريق النضال والثورة، ومن جهة أخرى فهي تحدد فكر الطبقات الشعبية المسحوقة إزاء الظروف الشديدة القسوة التي يتعرض لها شعبنا والتي تتحدى وجوده وبقاءه.

      ثالثا: وبسبب حالة الشتات التي يعيشها شعبنا، وبسبب المناخات التي يتعايش في أجوائها، يصعب على الباحث أن يعطي النصوص الفولكلورية التي تعكس روح المقاومة، صيغة الشمول والعمومية من حيث تمثيلها لوجدان الجماعات الفلسطينية، ذلك أن ما يمكن أن تقوله جماعة في مخيم الرشيدية في لبنان يختلف عما يمكن أن يصدر عن جماعة فلسطينية في المغازي أو عين السلطان أو في مخيم الوحدات، وذلك عائد لطبيعة المعأناة اليومية التي يعانيها سكان مثل سكان الرشيدية من حرب المخيمات والاستنفاد اليومي ورائحة الدم التي تفوح من كل بقعة وناحية.

      رابعاً: إن النظرة التقليدية للفولكلور تصنف النتاج الفولكلوري على أنه ثقافة الطبقات المتخلفة في مجتمع متحضر، لكن مثل هذه النظرة لا تصدق على الكثير من النصوص التي تعتمد عليها هذه الدراسة، فقد قمت بجمع النصوص من جماعات الأشبال وشبيبة مكاتب الثورة في مخيمات البقعة، سوف، غزة، والحصن. ومن خلال مسيرات فصائل الثورة في أحياء عمان. وبالطبع لايمكن أن يوصف أولئك الإفراد بالضبط بأنهم طبقات متخلفة إذ بينهم طلبة ومدرسون ومهندسون ومحامون وأطباء… الخ. ومن ناحية أخرى فقد اعتمدت في دراستي على بعض النصوص الغنائية التي تذاع من خلال إذاعة "صوت فلسطين - صوت الثورة الفلسطينية".

      إن طبيعة المرحلة التي يجتازها شعبنا، وهي مرحلة القتال من أجل التحرير، تجعل الدراس ينظر لشعبية النص الفولكوري بمناظر غير حرفي، ذلك لأن الأغاني التي تجسد الوجدان الشعبي هي أغان شعبية، وان لم تصدر بالضرورة عن «الطبقات المتخلفة في المجتمع» مباشرة. إن أغاني الثورة الفلسطينية سواء منها ما شاع بين صفوف الأشبال والشبيبة الثورية المقاتلة، أو ما أذيع منها عبر راديو الثورة الفلسطينية،  إن تلك الأغاني التي تجسد آمال وتطلعات شعب فلسطين هي أغان شعبية. ومما يؤكد شعبية مثل هذه النصوص هو أن الجماهير تتلقف مثل هذه الأغاني وتتداولها وتتوارثها لتصبح جزءا من ثقافة الجماعة الشعبية.

إن الكثير من الأغاني والأهازيج الوطنية بدأت كنص مكتوب وذو مؤلف واحد. وحصل أن سمع الشعب هذا النص على لسان قوالي في موكب من مواكب التظاهرات الفلسطينية في أحد الشوارع في مدينة عربية. وما لبث النص ان تحول لنص شعبي أن تناقلته الجماهير في مناسبات أخرى من مناسبات الطفرات الشعبية.

      وهناك سبب آخر يدفعنا إلى تصنيف هذا النوع من الأغاني ضمن قائمة الأغاني الشعبية هو أن تلك الأغاني، رغم أنها مكتوبة بكلمات غير دارجة، ورغم أنها صادرة عن جهات مثقفة، فإنها مبنية على أصل فولكلوري عرفه الشعب، وصب في قالبه أغانيه عبر الزمن، وعلى سبيل المثال فإن أغنية:

بارودتي ذراعي اليمين***ورصاصي حبات العيون

وابوي قال لي يوم ما مات ***اتعلموا من الزيتون

      وكذلك أغنية:

يا ام الشهيد وزغرتي  *** كل الشباب اولادك

      هما أغنيتان من الأغاني التي تذاع من إذاعة صوت فلسطين - صوت الثورة الفلسطينية. وقد كتبهما مؤلف معروف، وأدتهما المجموعة بمرافقة اوركسترا رسمية… إن هاتين الأغنيتين مبنيتان على لحن أغاني المسيرة -المحورية- الفلسطينية، والتي تؤدي عند زفة العريس، وبكلمات مثل هذه الكلمات:

عريسنا عنتر عبس *** عنتر عبس عريسنا

      ويمكننا أن نطرح مثالا آخر وهو هذا البيت من الدلعونا:

على أرض الضفة في شعب يناضل*** ومن اجل السلطة أوقد مشاعل
وانت يا فلاح وانت يا عامل *** واطرد عن أرضك جيش الصهيونا

      لقد سمع  هذا البيت لأول مرة في ربيع عام 1974. وسجل كأداء لأحد مناضلي الجبهة الشعبية الديموقراطية بالقرب من مخيم صبرا في بيروت، وهو يطرح قضية تكتيكية جديدة، تلك هي شعار السلطة الوطنية في الضفة الغربية. ومؤلف البيت فرد معروف، وبالطبع فليس هناك ما يمنع من تصنيف هذا النص كنص فولكلوري لسبب بسيط جدا هو أن في حقيقته مجرد كلمات جديدة في قالب لحني شعبي أصيل هو: "الدلعونا".
***

      وننتقل الآن للحديث عن طابع المرحلة (1967-1974) كما تنعكس في الوجدان الشعبي الفلسطيني على اعتبار أن الشعر الشعبي واحد من مصادر المؤرخ، وهو أحد المصادر التي تصور بصدق حياة الجماهير الشعبية وآمالها وتطلعاتها للمستقبل. وقد سجلت الأغنية الشعبية الفلسطينية ملاحظات على العديد من الأحداث التي واجهها شعبنا داخل الأرض المحتلة وعلى الساحة العربية، ورصدت بعفوية صادقة طابع المرحلة. وفيما يلي نستعرض أهم ملامح المرحلة كما انعكست في أغاني الشعب وطرق تفكيره:

1-رفض الهزيمة

      عندما انتهت أيام حرب حزيران الستة، أفاق الإنسان الفلسطيني على حقيقته مرة يصعب على وجدانه أن يستوعبها، تلك هي أن كل فلسطين أصبحت وراء أسوار الاحتلال بما في ذلك «صخرة القدس»، وأن المدافع العربية صمتت. وأخذت الجماهير الشعبية تسمع تبجحات راديو الاحتلال عن الطرق المفتوحة إلى دمشق وعمان والقاهرة. ترى ماذا كانت حقيقة الموقف الشعبي الفلسطيني إزاء هذه النكسة التاريخية؟

      لنر ردة الفعل من خلال الفولكلور الغنائي المقاوم:

      كان الجواب: لا… للهزيمة. وكان الجواب مزيدا من التمسك بالبندقية، بذلك يوحي مضمون أهزوجة ألقاها أحد أشبال فتح، في معسكر الأشبال بالقرب من مخيم البقعة:

      والله لانزل دوريه

      واقطع من غرب الميه

      واهجم ع الصهيونية

      واذبحهم ذبح الجديان

      والله لاحمل ديكتريوف

      وقلوبنا ما تحمل خوف

      تحت حماية جرينوف

      ما بنهاب الطيارة

      ولابنخاف الغارة

      وان متنا مش خسارة

      هذه ثورة شعبيه  

      والله لاضرب صواريخ

      واخلي العدو يصيح

      والكل منا صريح

      أبطال فتح الثورية

      ومن خلال أغاني المرأة في مناسبات الأفراح الشعبية، انطلق صوت المرأة الفلسطينية، يحيي الطلائع الثورية الفلسطينية. كان ذلك في أواخر عام 967 وأوائل عام 1968 عندما بدا الناس في الوسط الشعبي الفلسطيني يسمعون ان هناك تنظيمات فدائية فلسطينية ترفض وقف إطلاق النار وتغير على اسرائيل عبر الأردن وسوريا ولبنان. وبدأ الناس يشاهدون في شوارع بعض القرى والمدن العربية الشبان الفلسطينيين يرتدون الملابس المبرقعة ويتلثمون بحطات بيضاء مخططة بالسواد ويحملون أسلحة جديدة ذات مخازن معقوفة تعرف بالكلاشنكوف لم يعتمد الإنسان العادي رؤيتها من قبل، وان هؤلاء الشبان يعرفون بالفدائيين. وكأن مجرد رؤيتهم في الشارع ويجسد تطلع كل المهزومين إلى أرضهم المحتلة. وقد دفع هذا المنظر المرأة في الوسط الشعبي المحافظ للخروج عن التقليد والتصريح بحبها للفدائي من خلال هذا النص الغنائي النسوي:

هالفدائي يا ما احلاه***دخلك يما اعطني اياه
في ايدي باروده *** وفي ايده باروده *** وع الحدود أنا واياه.
×
في أيدي مدقة *** وفي اديه مدقه *** وعلى برقه أنا واياه
      وقد تجاوزت المرأة الفلسطينية حدود الإعجاب بالفدائي إلى إعلان رفضها للواقع والدعوة المباشرة للتحرير، تقول أغنية أخرى بهذا المعنى:

ع الرمانية ع الرمانية *** واحنا ما بنطيع لهالرجعية
واطلعنا بسلاح وانزلنا بسلاح *** حرروا ارتاح يا فدائيه
واطلعنا ببارود ** وانزلنا ببارود
يلله ع الحدود *** يا فدائية
×

واطلعنا بلبس  *** وانزلنا بلبس
حرروا القدس *** يا فدائية.
      واعتقد أن أغنية:
ع الرباعية  ع الرباعية *** واحنا ما بنام عن الغلوبية

      والتي تدافع تذيعها إذاعة (صوت فلسطين - صوت الثورة الفلسطينية) مبنية على هذه الأغنية. وأكثر من ذلك فربما كانت الأغنيتان تنبعان من اصل أغنية خليلية شعبية مطلعها:

      عن الرباعية عن الرباعية

***

      اما الأطفال - أطفال فلسطين، فقد حملوا الرد أيضا. ونأخذ هذا النموذج لرد الفعل على لسان الأطفال في رفض الهزيمة وهو أغنية هازجة علمهم إياها الفدائيون. وقد سجلت أهزوجتهم هذه في بيادر وادي السير حيث أقامت الجبهة الشعبية الديمقراطية خيمة للميليشيا بالقرب من موقف هزاع بالبيادر، واخذ شباب الجبهة يدربون الأطفال الفلسطينيين من أبناء أبو ديس، دير ابان، الولجة، المسمية، اكزازة… وغيرها على التمرينات الرياضية والمصارعة وحمل السلاح والجري الطويل وهم يهزجون:

أنا وحش *** جئت أناضل
من أجلك *** أنت يا عامل

 من أجل  إخواني النازحين*** والفقراء القادحين

      وراحت أغنية أطفال أخرى يبدو أن مبدعها الأول من رجال الجبهة الشعبية:

شعبية شعبية *** جبهتنا شعبية
والله لاعيدك يا بلادي *** من الميه للميه

      وفي هذه الأثناء، وبعد مضي اشهر وجيزة من الهزيمة أخذت إذاعة صوت فلسطين - صوت الثورة الفلسطينية تستقطب انتباه الفلسطينيين واهتمامهم الشديد. وقد شدت هذه الإذاعة الجماهير الشعبية بتوجيهاتها الجريئة والمباشرة وأغانيها التي تضرب على أوتار قلب حزين. وكانت تلك الأغاني شعبية من حيث الشكل والمضمون تارة ومن حيث المضمون فحسب تارة أخرى.

      ويجوز لنا القول بأن أغاني إذاعة «صوت فلسطين - صوت الثورة الفلسطينية» أصبحت البديل لدى جماهير «مخيمات المنفى» عن سهرات الأفراح الشعبية. وصار الناس في الوسط الشعبي يرددون ويتناقلون تلك الأغاني كما كانوا يتناقلون أغاني الأفراح الشعبية، وعلى الأخص ما كان منها مبنياً على أصل شعبي.

      وصارت تلك الأغاني هي المادة الغنائية الشعبية المكملة لأغاني الأشبال والنساء والأطفال التي تحمل مضمونا واحدا هو: «لا… للهزيمة». وفضلاً عن ذلك فقد حملت أغاني الثورة - أقصد أغاني صوت فلسطين الميزات التي تجعلن أدرجها ضمن الأغاني الشعبية ذات الطابع الوطني، وهي:
      1-المضمون المباشر، شأنها في ذلك شأن النص الفولكلوري الذي يتوجه إلى هدفه دون مقدمات، مثل:

يا قاتلين***دمكن حلال علينا
      ومثل:
قدم *** يا خسارة اللي بيده السلاح*** ومايقدم
      ومثل:
لاعمل سلاح *** من صدري***  واحمي رفيقي
      ومثل:
أنا يا أخي *** آمنت بالشعب المقيد والمكبل
وحملت رشاشي *** لتحمل*** بعدنا *** الأجيال… منجل

      2-مطابقتها لأهازيج المظاهرات الشعبية، مثل:
يا جماهيرنا الشعبية *** فجرنا الحرب الثوري
بحجار وطواري *** برصاص وشباري

      3-البناء الفني لهذه الأغاني على اصل شعبي، إذ إن كاتبي كلمات أغاني الثورة الفلسطينية بحكم توجههم إلى الجماهير الشعبية، وبحكم انتمائهم إلى الطبقة الشعبية المسحوقة، فقد صبوا كلماتهم الجديدة في القوالب اللحنية الشعبية لتكون اقرب من ذوق الجماهير وأكثر تأثيراً في نفوسهم، ومثال ذلك:
      *من لحن الدلعونا:

 ياحيا الله… رجال الله *** وهذا هم الفلسطينية.

      *من لحن المسيرة:
يا شعب كبرت ثورتي *** كبرت واحنا ثوارها
من قريتي لمدينتي *** من نهرها لبحرها
 يا ام شهيد وزغرتي *** كل الشباب اولادك.

      *من لحن "أغاني العمل"
بايدي رشاشي***وبدي اظل ماشي
رشاشي ع اكتافي *** فرشتي ولحافي
وأرضنا المحتلة *** ما بترجع بلاش.

      *من لحن يا احليوة طاب رماني

جر المدفع فدائي *** لا تستنى السيارة
جرد علينا صهيون *** أكثر من ميت طيارة

      *على لحن أغاني النساء في العرس

"هي يا أحبابي *** هنوني لاتعنوني
وجوزنا الليلة مصيطف *** نور اعيوني"

"حين يلوح البروقي *** ما في عوقي
كلاشنكوفي يسابقني*** يطير من شوقي"

      *على لحن "الطلعة"
"طل اسلاحي ***من جراحي *** يا ثورتنا
طل اسلاحي *** ولا يمكن *** قوة في الدنيا
تنزع من ايدي سلاحي."

      4-تعبير هذه الأغاني بصدق وجرأة عن هموم الجماهير الآنية ومعأناتها اليومية، ومسايرتها لنضال هذه الجماهير وطبيعته المرحلية. وذلك واضح في كل نصوص أغاني الثورة بلا استثناء.

2-بروز المنظمات الفدائية والفكر السياسي الفلسطيني

في هذه المرحلة تعكس لنا الأغاني الشعبية ذات الطابع الوطني بروز المنظمات الفدائية وأفكارها السياسية وإيديولوجياتها بوضوح. وصحيح أن منظمة التحرير الفلسطينية قد ظهرت للوجود بقرار من مؤتمر القمة العربي قبل حرب حزيران، وصحيح أن حركة فتح انطلقت أيضا قبل حرب حزيران «مع شمس الخمسة والستين»، لكن الأغاني الشعبية أعلنت قيام الثورة متأخرا وعلى الأخص بعد حرب عام 1967 للأسباب التالية:

      1-اليد الحديدية للأنظمة العربية قبل الحرب والتي منعت احتفاء الجماهير بظهور ثورتها.
      2-تأخر تصاعد العمل الفدائي لأسباب عديدة، مما كان له الأثر في تأخر الاحتفاء الشعبي.

      3-بروز البندقية الفدائية وحدها في الساحة بعد صمت المدافع العربية بعد هزيمة حزيران مما ألهب مشاعر الجماهير وجعل الثورة «نجمها» الوحيد.

      4-تأخر التأييد العلني للأنظمة العربية لقيام الثورة واحتفائه بتصعيد أعمالها، فمثلا سمعت إذاعة صوت فتح -صوت العاصفة بعد الحرب (1967) وليس قبلها. وأشاد عبد الناصر برجال الكرامة بعد معركة الكرامة ووصف أعمالهم بأنها بطولية وخاصة ملاحظته حول استعمالهم أسلحة بسيطة مثل ر.بي. جي إذا ما قورنت بأسلحة الجيوش العربية.

      5-النصر المؤزر يوم الكرامة والذي جعل الناس في الوسط الشعبي الفلسطيني يسمعون بوضوح بوجود الثورة وبانتصارها على «دايان» مما اعتبره ذلك الوسط ردا له وزنه على الهزيمة. كما بدأ الناس يسمعون بوجود زعيم فلسطيني يذكرهم بزعامة «سيف الدين الحاج أمين»، وهو أبو عمار - ياسر عرفات.

وتتحدث الأغاني الشعبية عن ثلاثة من التنظيمات الفدائية: فتح، الشعبية والديمقراطية. ولم أدون أية نصوص تتحدث عن تنظيمات أخرى. وتمتاز هذه النصوص بجرأتها إذا ما وضعنا في الاعتبار أن التنظيمات هذه نشأت بصورة إجمالية في مناخ لايسمح بظهور التنظيمات الشعبية المسلحة. وأفضل مثال على ذلك هذا النص الذي سجله أحد مناضلي الجبهة الشعبية في مخيم سوف في 6/7/1970:

أنا ابن الجهبة الشعبية *** وعندي ارادة قوية
وبهجم ع نص الجنزير *** ومدفع هالخمسمية

××
أنا ابن الجبهة في سينا ***  أنا ابن الجبهة في اثينا
وانت ابن الجبهة ع المينا *** وفوق الهضبة السوريه
××
أنا ابن الجبهة مخيم سوف*** تع تفرج تعال شوف
أعلناها ع المكشوف *** جبهتنا ماركسية
××

أنا ابن الجبهة ماركسي اصيل *** أنا ابن الجبهة ع اسرائيل
وانت ابن الجبهة مش بخيل *** عربي حامي امميه

 
      وتظهر الأغاني الشعبية فخر الفدائي بنفسه ومجاهرته، بموقفه وأفكاره السياسية، وتوضح هذه الأغنية مثل هذه المعاني، وهي بعنوان «عنترة»، والأغنية مبنية على لحن شعبي كان قد استعاره عبد الرحيم عمر كاتب كلمات أغنية «غندره» عن نص شعبي شبهي شائع في قرى طولكرم، تقول كلمات الأغنية:

      عنتره مشي الفدائي عنتره
      واللي يحب الموت يمشي عنتره
      ×
      لاقتني جماعه… وكلهم قناعه
      بالطبقات الكادحة… وقيادة الفقرا
      ×
      وأنا من الشعبية ومبادئي اشتراكية
      وانت يا إقطاعي كفاية سمسرة
      ×
      لا قتني دوريه من الجبهة الشعبية
      ودمرت دبابه ونص مجنزره
      ×
لا يزال بنذاكر *** عبد الرحيم جابر
هو بسجنه صابر *** مهما صار وجرى

      أما هذه المقاطع من هتافات المظاهرات والتي سجلها أحد مناضلي الجبهة الديمقراطية، فهي تحدد الخط اليساري خطا سياسيا، وتوضح مبدأ إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية المستقلة تحت ظل راية اليسار - راية الحرية، وتنادي بحق الشعب وحده في تقرير المصير. أما النص فسجل في ربيع عام 1974 بالقرب من مخيم صبرا، مع بداية طرح فكرة «السلطة الوطنية الفلسطينية على أي جزء يتم تحريره من فلسطين». ولقد رأينا كيف تحول هذا الشعار الشعبي إلى مبدأ أقرته الثورة، ثم اعترف به العرب في مؤتمر الرباط وأخيرا أقرته الأمم المتحدة. تقول كلمات هذه المقاطع:

راية اليسار يا راية الحرية*** من غار الغار يا جبهه ديموقراطية
 راية اليسار طيري لفوق وعلى *** ومن كل الأرض لنطرد المحتل
نبني السلطة الوطنية المستقلة
راية اليسار علي لفوق وطيري *** شعبي وحده اللي يقرر المصير

      وكما أن فتح طرحت شعار «الفكر ينبع من فوهة البندقية» فان أغاني أنصارها تدور حول رفض الهزيمة ومعانقة البندقية كوسيلة وحيدة للتحرير. وهذا نموذج لذلك المنطق الفكري والذي سجل في صيف عام 1970 في معسكر أشبال فتح بالقرب من مخيم البقعة:

لا تحزني يا فلسطين*** عندك اشبال مدربين
عندك اشبال تريد الموت *** واللي يموت خليه يموت
خليه يزور المقبره *** يكون شهيد العاصفة

3- الترحيب الجماهيري بالثورة

      كثيرة هي الأشعار الشعبية التي أشادت بالثورات الفلسطينية المتعاقبة منذ عام 1921 حتى عام 1964. وكثيرة هي المواقف التي أبرزت التعاطف الشعبي مع النضال الوطني ضد الانتداب البريطاني والاستعمار الاستيطاني الاسرائيلي. أما الثورة الحالية التي يخوضها شعبنا وحرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد التي يخوضها ضد الاحتلال فقد لاقت تعاطفا جماهيريا بشتى الإشكال سواء على الساحة الفلسطينية أو الساحة العربية. وأصبح الحكام العرب يقدرون أهمية العمل الفدائي في حماية شرف الأمة العربية فضلا عن انه دفاع عن فلسطين. ووجدت «ثورة الفاتح من كانون 65» ترحيبياً لأحد له من جماهير شعبنا والجماهير العربية في كل مكان. وحتى في أسوأ أيام الثورة وعندما كانت تتعرض للتصفية سواء وراء أسوار الاحتلال أو على الأرض العربية كانت الجماهير العربية تشكل درعا واقيا للثورة، وكانت الأنظمة العربية مدفوعة بتململ جماهيرها تسارع لتحمي الثورة، أو لترفع صوتها على الأقل في وجه دعاة التصفية. ولولا الترحيب الجماهيري الفلسطيني والعربي واستعداد الجماهير للموت من أجل حماية الثورة لما عاشت «ثورة الفاتح من كانون - 65» السنوات العشر من عمرها، ولولا تلك الحماية الشعبية لأجهضت تلك التجربة كما أجهضت من قبلها تجارب القسام وأبو درة والحسيني… الخ. ويجب أن نعترف بأن الترحيب الجماهيري والتعاطف الشعبي الذي تجلى بعشرات الآلاف من الشهداء الذي استجابوا لنداء الثورة: «احم الثورة بدمك احم… ياخوي… واكسر باب الحل السلمي»، هؤلاء الشهداء الذين خرجوا من صفوف الطبقات الشعبية المسحوقة، نقول انه لولا ذلك الترحيب والتأييد الشعبي لما رأينا «ثورة الفاتح من كانون - 65» نتحدث إلى المجتمع الدولي عبر منصة الأمم المتحدة من موقف حركة تحرير قوية مدعومه وفي شخص ياسر عرفات باني الخلية الأولى من خلاياها. ويجب القول بكل ثقة إن الجماهير الشعبية كانت تنتظر ميلاد ثورة لتهديها كل الحب والتعاطف والدم، فما إن أعلنت «ثورة الفاتح من كانون - 65» عن هويتها:

هذه الثورة للملايين*** للي شربوا الظلم سنين
للي جاعوا *** للي عريو *** لليتامى… للثكالى
للي بسوق الذل انباعو

      أقول ما إن سمع الجياع العراة والثكالى من الملايين بميلاد ثورتهم حتى أسرعوا يبنون كيان الثورة من أجسادهم ويمدونها بزخم لأحد له أوصلها بعد مضي عشر سنوات إلى الموقع الذي يشرف على "مرحلة التحرير وبناء السلطة الوطنية على ارض الآباء والأجداد".

      ونحن ندعم ما نقول بهذه الطلعة التي سجلها الفنان الشعبي حسن وهدان عام 1968 معبرا عن اندفاع جماهير الوسط الشعبي للتطوع في صفوف الفدائيين معللا هذه الرغبة الكامنة لديهم بان كلا منهم "قلبه ملوع ع فلسطين":

ايدي وايدك نطوع فدائيين *** ع العودة قلبي ملوع لفلسطين
×

ايدي بايدك نصبح ثوار*** ونخوض بحور الميه ونصول للدار
وأنا قبلك ضحية نمحي للعار *** نرجع أرض العروبة من الغاصبين

×
انت احمل رشاشك وأنا المدفع *** وطننا الغالي حتما لازم يرجع
بكره فجر الحرية لازم يطلع *** نزرع تربة قريتنا نرجس مع تين
وشبل بلادي بيتعلم ع كلاشنكوف *** وجيش الصهيوني سلم في قلبه خوف
اسأل عنا الأعادي ندحر ألوف*** ما بنهاب المنيه في الميادين
×

الثائر حامل لسلاحه اجتاز الأنهار*** العالم سجل لكفاحه بعز وإكبار
ثوار العاصفة طاحوا وين الغدار*** لازم نرجع وطنننا نقسم يمين

×

اسأل عنا شعشاعة مع بيت فوريك*** نهر الأردن الجاري عنا ينبيك

عنا مروا النشاما متل البريق *** ضربتهم قويه  والها رنين
×
وع حيفا مروا وغاروا ع تل ابيب *** وبترول واشعل ناره شوق اللهيب
الثائر وجه صاوخه يضرب ويصيب *** الحرب الشعبية امتدي مدى السنين
الشكوى والمذله ما بتنفع حد *** الثائر اقدم ع العوده ومش راح يرتد
لازم اسلح عيلتنا امي والجد *** حتى تصير كل العيله فدائيين

      ويعكس الشاعر الشعبي الفلسطيني عبد اللطيف العجاوي فرحة الجماهير بقواتها المناضلة التي «دمرت الاعدا تدمير»، وتؤكد هذه الفرحة فرضية انتظار الشعب لبزوغ ثورته التي تدمر جلاديه وغاصبي أرضه وصانعي نكبته. وقد سجلت هذه المقاطع من هذه الطلعة في مبنى مؤسسة التلفزيون في جبل عمان في شتاء 1969، وأذيع جزء منها ضمن برنامج «فنون شعبية». وفي هذه المقاطع يقدر الشاعر الشعبي الجماعات المؤازرة للثور بأنها "في المية تسعة وتسعين":

بالله ورسله ومؤمنين وبنصر قضيتنا*** لازم ترجع فلسطين بقوة الله وقوتنا
××
شبابك يا فلسطين كلتهم فدائيين *** في الميه تسعة وتسعين بيازر قضيتنا
××
الفدائية المغاوير دمروا الاعدا تدمير *** سوف اتشوفو المصير ونرجع يا خي لديرتنا
××
عجاوي عبر تعيير… الفدائي دق النفير *** حمس كل الجماهير تا تستوي طبختنا

      ويبدو التعاطف الشعبي بصورة أخرى مع الثورة عندما تتعرض قوات الثورة ومخيمات اللاجئين لغارات العدو الحاقدة. ونرى هنا المغني الشعبي يعبر عن سخرية الجماهير المؤيدة من صوت المدفع المعادي والطيارة الغازية، فكلاهما «ما بهدي الشعب الثائر». وقد سجل هذا المقطع في سهرة عرس شعبي بمخيم الوحدات بعد الغارة الإسرائيلية بالمدفعية على مدينة اربد يوم 4 حزيران 1968:

ثورتنا ثورة جباره تشبه ثورة الجزائر *** صوت المدفع والطيارة ما بهدي الشعب الثائر

      ومن  مظاهر التعاطف الشعبي مع الثورة تحية مناضليها البارزين، فأشارت العشرات من النصوص إلى تحية أبطال الكرامة وبيت فوريك. كما تحدثت النصوص عن إكبار الفدائيين الذين تصدوا للهجوم على شاطئ الأوزاعي. ولاشك أن البحث المستفيض سيكشف عن العديد من النصوص من الأغاني الشعبية التي تحيي الرجال الذين زرعوا الرعب في قلوب المستوطنين الإسرائيليين واقضوا مضاجع الاحتلال. ومن ابرز الأمثلة على ذلك قصيدة يحيي فيها الشاعر الشعبي محارب ذيب «البطلة الفدائية… ليلى خالد» وهي تدل على تعاطف الجماهير وتأييدها غير المحدود للثورة، تحمل في ثناياها إشارات إلى الدافع الوطني الذي يدفع فتاة عربية لان تركب المركب الصعب. ومطلعها:

حيوا لي بليلى خالد *** البطلة الفدائية
×
ليلى نزلت ع  بيروت *** راحت ع القيادة تفوت
قالت والله لو بموت *** لاسجل فدائية

      وهذا مثل آخر على التعاطف الشعبي مع الفدائي في بيت الدلعونا الذي يصور شهيد الكرامة وقد استقر في قصر في الجنة «مقصور بشيد» دلالة على النقاء والطهارة:

شهيد الكرامة غني قصيدة*** وقصري في الجنة مقور بشيد
أنا طالب من ربي العالي المجيد *** تتحرر بلادي بأسرع ما يكونا

 4- الزعيم الشعبي للمرحلة

       كانت موافقة عبد الناصر على مبادرة روجرز السلمية المناسبة الوحيدة التي بدا فيها الرئيس جمال عبد الناصر على غير صورته الطبيعية في الأغنية الشعبية الفلسطينية لهذه المرحلة، تلك الصورة المشرقة التي تبرز الزعيم الراحل بصفته المدافع الأول عن حقوق شعب فلسطين وأمله في التحرير والعودة. وفي تلك المناسبة ورد الحديث عن موقف عبد الناصر على انه موقف أمريكي في أهزوجة مظاهرات في عمان 1970 أثناء زيارة سيسكو للأردن عام 1970، وعندما هبت الجماهير الشعبية بقيادة الثورة تحتج على مبادرة روجرز وزيارة سيسكو. وبلغت ذروة أعمال الاحتجاج في إحراق المركز الثقافي الأمريكي في جبل عمان:

هذا الموقف مش تكتيكي *** هذا الموقف صنع أمريكي

      وكانت تلك الأهزوجة ترد على ما قيل في حينه من ان مصر وافقت على مبادرة روجرز مواقفة تكتيكية فحسب.

      وفيما عدا ذلك ظلت صورة عبد الناصر مشرقة في وجدان الشعب الفلسطيني، وظل اسمه يعطر الأغنية الشعبية الوطنية الفلسطينية، على اعتبار ان نصير الشعب الفلسطيني وحامي حماه ومعلمه الثورة، وهذا مقطع من أهازيج مظاهرة تشييع جنازات شهداء 17-18/9/72 في جنوب لبنان يتحدث عن عبد الناصر المعلم الثوري:

علمنا عبد الناصر ضرب النار*** النار النار ع القنال *** والنار النار في الجنوب
××
مين اللي رد العدوان *** غير الثوار
غير الاخوة الفدائية *** ع خط النار
في لبنان … في القنال *** حتى تعيش العروبية
سلاح وتنظيم*** نربح في الميه ميه

      لقد فجع الشعب الفلسطيني فجيعة كبرى بوفاة الرجل الذي ظلوا يعتبرونه زعيمهم وزعيم الأمة العربية. وقد ربطت الأغنية الشعبية الفلسطينية بين الفجيعة بوفاة الزعيم والآمال التي كانت مبنية عليه في تحرير الأرض المحتلة. لقد ذهب الزعيم تاركا المدافع مشرعة على القناة، وترك الشعب في الأرض المحتلة بين اليهود بلا سند:

كل المدافع ع القناة خلاها *** يهود قدامه غنم طحاها
×
كل المدافع ع القناء مرميه *** يهود قدامه غنم مطحيه
رئيسنا يللي عليك المعتمد *** خليتنا بين اليهود بلا سند
رئيسنا يللي عليك اللوم *** خليتنا بين اليهود والقوم

      وكثير من الناس في الوسط الشعبي اعتبروا وفاة عبد الناصر مفاجأة وغير طبيعية، وأنها جاءت في غير أوانها. وأن الزعيم مات حزنا وكمدا على ما قاساه شعب فلسطين وطلائعه المقاتلة، وهذه الأغنية تجسد تلك المعاني وقد ربطت بين وفاء الزعيم وآخر عملية سياسية قام بها في حماية العمل الفدائي من التصفية:

ركبوا المدافع على ظهر الميه *** صارت يا قشلكن ع الفدائية
ركبوا المدافع ع ظهر النهر *** جمال يا قشلكن انقهر قهر

      ولا يرى الإنسان الفلسطيني - كما تعكس أغانيه الشعبية  - بعد وفاة عبد النصار من يملأ كرسي الزعامة، ولذلك تصور هذه الأغنية الشعبية النسوية كرسي «أبو خالد» مجللا بالجوخ والسواد لعدم وجود من يملؤها:

كرسي أبو خالد جللوه بالجوخ *** بعد الرئيس ما حلي لي شيوخ
كرسي أبو خالد جللوه بسواد *** بعد الرئيس ما حلي لي جواد

      وحتى بعد وفاة الزعيم العربي عبد الناصر ظل في وجدان الشعب الفلسطيني حاميا لأهداف الجماهير وطلائعها الثورية، وبذلك تقول مقاطع من أهازيج المظاهرات:

يا نميري قول يا زين*** عبد الناصر راح وين
      وتقول الأهزوجة على لسانم النميري مطمئنة الجماهير:
عبد الناصر وصى وصيه *** ديروا بالكو ع الفدائية

      وفي وقت ما بعد وفاة عبد الناصر بدأت تفرخ أغنيات تتحدث عن زعيم جديد يتوجه الوجدان الشعبي نحوه بالتحية والإكبار، ويعلق عليه آماله. ونجد أن الزعيم هذا هو ياسر عرفات زعيم فتح ثم رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والشخصية التي تجمع كافة زعامات فصائل المقاومة على أنها تجسد آمال الشعب الفلسطيني في العودة والتحرير. ولهذا الزعيم يغني الفنان الشعبي محارب ذيب مرسلا له ثلاث مرحات من داخل الأرض المحتلة. وقد سجلت له هذا البيوت من العتابا في عمان (1974):

لاهل الشرق أنا لاتم يسير *** وخلوا لي موكبي للفن يسير

اوف تلات مرحات من لك يا ياسر *** يا ابن عرفات قائد ع  الشباب

      وفي هذا البيت من العتابا يعبر الشاعر عن فخره بالزعيم ياسر عرفات ورجاله الذي حطموا اسطورة الفانتوم بصاروخ سام:

يا ابن عرفات قل لي كيف انتم***  جيوش الخصم في الجولان كفنتم

قال اعدأنا شكلوا طائرات فانتوم *** وعند «سام» الفتح ما الهن حساب

 

5- لوم الأنظمة العربية

      ينطلق عتب الشعب الفلسطيني على الأنظمة العربية في دعمها له من موقف شعبي بدائي يفترض أن «ابن العم» ملزم بنجدة ابن عمه عندما يكون في ضيق أو بحاجة للعون، وحتى لو كان العون مجرد مساعدة في " عقد سقف بيته ".

      وبهذا المعنى يغني الفعلة عند العقد كلمات تحمل معاني العتب على أبناء عمومتهم إذا تأخروا في الحضور للمعونة:

عيب على اللي دشر ابن عمه *** ما بين نارين واقع
يا بيظ لا ترغبنش *** يا لابسات البراقع

      وتبدو الأنظمة العربية في الأغنية الفولكلورية الفلسطينية المقاومة لهذه الفترة بمظهر الأنظمة المقصرة. وهذا المظهر هو امتداد لتصورها منذ معركة عام 1948 وما قبل ذلك. وقد لام المغني الشعبي الفلسطيني كل الأنظمة العربية في شخص الجامعة العربية بعد إجهاض ثورة 1936. بذلك قال:

لومي ع الجامعة *** ما تمدنا بسلاح

احنا علينا الحرب *** وجيوشها ترتاح

      ومن القصائد الطويلة التي تنحي باللائمة على الأنظمة العربية هذه القصيدة التي سجلها مسؤول مكتب الجبهة الشعبية في مخيم غزة (جرش) في صيف عام 1970 بعنوان يا قوى اليسار:

ياقوى اليسار *** ياقوى اليسار*** يلله نثأر للعروبة*** ونحرر الدار
×
قادة ثورتنا ***قادة ثورتنا *** بروليتاري هالحكيم *** اشلون أنام
خلي هالرجعي يولي *** ويلاه ويلاه *** من قوى اليسار *** يا قوى اليسار
      وبعد ذلك تأخذ الأغنية في تعداد الأنظمة العربية نظاما تلومها وتقرعها على تقصيرها إزاء مقاومة الاحتلال.

      ومن نوع اللوم الموجه لكافة الأنظمة العربية، دون  تخصيص بالاسم، هذا العتاب الشديد الموجه للأشقاء العرب بمناسبة الهجوم الإسرائيلي الوحشي على مخيمي البداوي والبارد ونسف الطائرة الليبية في الجو بالقرب من قناة السويس و «الليلة الإسرائيلية» المشهورة، ليلة اغتيال كل من قادة الثورة: محمد يوسف النجار، كمال ناصر وكمال عدوان. وتقطر لهجة الأغنية الشعبية بالسخرية المريرة دون أن تصرح بمن تسخر، تقول كلمات الأغنية التي سجلت في ربيع عام 1974 بالقرب من مخيم صبرا:

يوم البداوي والبارد*** ونسف الطائرة الليبية
مندوبهم في وشنطن قاعد *** ينتظر حل القضية
ويوم صبرا والأوزاعي *** أعلن اسفة في برقيه

      أما مندوبهم هنا، فقد قصد به مندوب أي دولة عربية في الأمم المتحدة سمع بالإحداث الجسام، وظل يواصل اتصالاته من أجل الحل السلمي. وبالطبع فان المعنى العام للأغنية يشير للأنظمة العربية التي شاهدت وسمعت بملء آذانها كيف يذبح الشعب الفلسطيني في مخيمي البداوي والنهر البارد، وكيف يذبح قادته في بيروت عندما أنزل العدو رجاله من الشاطئ إلى المدينة، دون أن يبادر أي نظام عربي للرد العسكري، بل استمروا يتابعون الحوار في أورقة الأمم المتحدة… وفي واشنطن!

      وتكمل كلمات الأغنية موضحة كيف أن البندقية الفلسطينية ظلت وحدها ترد:

شفتو الثوار عملوا ايش*** دافعوا بذلوا الارواح

هربوا العدا وتركوا سلاح *** صورة في الصحف اليومية

      وهذه الإشارة لما حصل يوم الإنزال على شاطئ الاوزاعي واغتيال قادة الثورة، عندما هرب المعتدون الإسرائيليون تاركين سيارات العدوان على الشاطئ وأسلحتهم التي ظهرت صورها في صحف اليوم التالي في بيروت.

      وتصف الأغاني الشعبية الفلسطينية الأنظمة العربية بأنها «أنظمة الصمت» وتتهمها بأنها ترى الثوار يذبحون في الداخل والخارج وتصمت. ويكون الصمت أما على شكل ستار إعلامي يحجب الحقيقة عن أعين الجماهير العربية أو بالتقاعس عن نجدة الثورة وهي في احلك مواقفها، بهذا المعنى تقول أهزوجة سجلها سالم، أحد شباب الجبهة الديموقراطية في مخيم صبرا:

الصمت العربي يخدم مين *** غير أهداف المحتلين

يا أنظمة الخامس وينك*** وحل الغاصب  غطى عينك

يا أنظمة الصمت ابتعدي *** ويا ثورتنا اشتدي اشتدي

      وربما كان أكثر عبارات اللوم مرارة هي التي قبلت في هتافات تظاهرة ثوار فلسطين وأنصارهم اللبنانيين عند تشييع جنازات قادة الثورة الذين اغتيلوا في 10/4/73، في بيروت:

ما اجو بالغواصات *** ولا اجو بالطيارات *** دبروا لهم سيارات

      وتشير كلمات الهتافات إلى أن العناصر التي اغتالت كمال ناصر، كمال عدوان وأبو يوسف لم تكن من القوات العدو التي نقلتها غواصاته أو طياراته بل من العملاء السريين الذين كانوا في بيروت ووضعت تحت تصرفهم سيارات محلية.

      هذا ما رسمته الأغنية الشعبية الفلسطينية من صور للأنظمة العربية في هذه المرحلة. وما من شكل في أن أغانينا ستتحدث بلسان الشكر والعرفان للموقف العربي المشرف في مؤتمر الرباط وأثناء مناقشة الأمم المتحدة للقضية الفلسطينية في أواخر عام 1974، عندما وقفت كافة الوفود العربية بلا استثناء موقفا مشرفا أدى إلى الاعتراف على المستويين العربي والدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة سلطتهم الوطنية، ودخلوا مندوبي المنظمة الفلسطينية في كافة اجهزة الأمم المتحدة كمراقب.

6- الدعوة لمواصلة القتال

      ظلت الأغنية الشعبية ذات المضمون الوطني تصور الإنسان الفلسطيني داعية لمواصلة القتال، على اعتبار أنه واقع تحت تأثير قضية ظلم اجتماعي وسياسي مريع، وانه لا مجال للتفاهم مع ذلك النوع من الاستعمار الاستيطاني الذي مارسته الامبريالية الأمريكية من خلال راس الحربة الصهيونية. وكذلك فليست القضية خلاف عقائدي أو خلاف حدود، بل هي قضية مصير شعب بأكمله في أن يكون أو لا يكون، وهي قضية استعباد الأمة العربية كلها وإخضاع ثرواتها لنهب رجالات الرأسمالية الأمريكية، وقضية وجود إسرائيل كجسم غريب على الأرض الع<