قراءة في كتاب الفنون الشعبية في فلسطين للباحثة يسرى جوهرية عرنيطة

أشار "أنيس الصايغ" المدير العام لمركز الأبحاث، والدراسات، في تقديمه للكتاب :"هذا الكتاب محاولة رائدة في جمع التراث الفني لشعب فلسطين، ودَرسِه،وهو التراث الغني والقيم ، وأن الباحثة تعمدت وضع الكتاب، بأسلوب، ولغة مبسطين ،لأنها تشعر أنهما أقدر على تفسير، وشرح الفنون الشعبية ،لأنهما يسهمان أكثر ،في تصوير هذه الفنون، تصويرا صادقا".

هدفت الباحثة-يسرى عرنيطة-من وراء إصدار هذا الكتاب، أحياء الفنون الشعبية ، على حد قولها:" مساهمة منها في ملء زاوية مهملة من زوايا المكتبة الفنية، والكشف عن مادة إبداع للموسيقى، ومصدر الهام للملحنين".

ضم الكتاب عدة فصول ،حيث تناولت الباحثة في الفصل الأول من الكتاب :" خصائص ومميزات الموسيقى العربية، وأن الموسيقى تُحدث لدى مستمعيها ،تجاوبات جسدية، وعقلية، وعاطفية ، وأن الموسيقى لغة، لأنها تحتوي على لهجات ،واصطلاحات، وحروف هجائية، وكلمات ،وجمل ، وتصف الحوارات المختلفة من حلم مزعج إلى غضب الطبيعة ، ولها تاريخ يسجل مراحل تطورها ، وهي لغة عالمية من الجمال والانسجام ،قواعدها التناسب، والاختلاف ،والانسجام ، ولها تتابع درجات صوتية-السلم الموسيقي-،ومقامات وعددها 12 مقاما ،وأوزان من تتابع ضربات ،ونقرات ،تختلف فيما بينها من حيث القوة والضعف.

أما الأغاني الشعبية في الكتاب، تدور حول مواضيع مشتركة، تتعلق بالأعياد ،والحب، والأفراح، والأتراح، والحرب ،والحماس ، ويمتاز اللحن الشعبي بقصر الجمل، والجاذبية، والزخرفة، واللحنية، والتكرار.

أوردت الباحثة في الفصل الثاني من الكتاب، الآلات الموسيقية:" كالفقاشات –خشبتان مجوفتان تلبسان في الإصبع الثالث أو الإبهام من كل يد، والدف، والدربكة، والنقارات-كاستين خشبيتين- أو من الصلصال المجوف، وعليهما جلدتان مشدودتان، والربابة، وآلات النفخ، والدربكة، وأنواعها.

شمل الفصل الثالث من الكتاب تنويط-تدوين الألحان بالنوطة الموسيقية-الأغاني الشعبية الفلسطينية، التي تجسد النغمة ،وتحدد علوها ،وانخفاضها ،وترتيب الحركة من البطء إلى السرعة ، وترتيب درجات الشدة واللين.

قسمت الكاتبة الأغاني المدونة في الكتاب، إلى أغاني الأطفال، والتهاليل ،وأغاني الأعياد، والاحتفالات الدينية، وأغاني الحب ،والأفراح، والأعراس، وأغاني الشرب، والسخرية ،والسياسة، والحان المآتم، والتعازي، والروايات، والقصص.

كما تضمن الفصل الرابع من الكتاب:" الأفراح الشعبية من عصبيات الأقارب ،وعصبية الجاه ،والمركز ،وعصبية الأحزاب، والسحر، والحسد ،والعين، والحديث عن العادات ،والتقاليد التي كانت متبعة في القدس قبل مائة عام ، وعن الأفراح في القرى الفلسطينية من طلبة، وخطوبة، ومدتها،والشوفة، والاستعداد للعرس ،وحمام العروس، وتجميلها، واستلام جهاز العروس ،وحمام العريس، وطريقة الدعوة إلى العرس ، وهدايا العريس، وحلاقته، والمرسال بعد الانتهاء من حلاقة العريس، والموكب ،وتصرفات العروس أثناء الزفة ،والإكليل، ووضع الخميرة، وجلوة العروس، والنقوط ،وقائمة بالزغاريد التي تطلق في الأفراح.
خصصت الكاتبة الفصل الخامس من الكتاب ،للمهرجانات الدينية-ستنا مريم، وموسم النبي موسى، واحد الشعانين، وخميس الغسل ،والجمعة العظيمة، وسبت النور للمسيحيين، واحد الفصح المجيد، واستقبال الراهب، وخميس الصعود ،وعيد الصلب، وعيد الغطاس، وعيد الميلاد ،وموسم النبي روبين، وموسم النبي صالح ،وليالي رمضان.

ما الفصل السادس من الكتاب ضم :"الأمثال العامية :"تعرفها الكاتبة بأنها عمل كلامي يدفع قوة معينة على التحرك، ويؤثر على مجرى الأمور، وعلى السلوك الإنساني-صفحة 203".

ترى الباحثة أن المثل :" يمتاز بسهولة اكتنازه في الذاكرة ،وسهولة تلقينه إلى المستمع ليعيده، ويكرره ، وهي تريح النفس وتُلقي بأسلوب المرح الحاذق، وجمعت 800 مثل شعبي تتعلق بالشهور، والفصول ،وذكر المدن الفلسطينية، والأعياد الموسمية ،والموسيقى في المثل، وأوردت أمثال لها علاقة بالصحة ،والسخرية ،والقيم الأخلاقية.

في الفصل السابع أشارت الباحثة" إلى الأعلام الموسيقيين في فلسطين في الفترة ما بين 1870-1920م، وأن الموسيقى كانت تربط بين الطوائف الإسلامية، والمسيحية، واليهودية، وأوردت أسماء الموسيقيين المحترفين في فلسطين في العهد العثماني، ومنهم حسين النشاشيبي، وحماده العفيفي وعبد الحميد قطينه، وواصف جوهرية.

أما الفصل الثامن خصصته الباحثة "للألبسة الشعبية في فلسطين، والذي يمتاز بالاحتشام ، والتواضع، والتجانس ، والتناسق ،وثوب المرأة الفضفاض الطويل، والزنار على الوسط، والطرحة، والسروال ، والملاية ، والايزار، ولبس الرجل، وغطاء الرأس من طاقية، وطربوش ،والحطة والكوفية والعقال .

ثم تحدثت عن المأكولات الشعبية، والحلويات بأنواعها ،ومسمياتها التراثية-حلي سنونك، والمطبق، والكعك، والفطير ، والمأكولات التقليدية الخاصة بالأعياد، والمناسبات ،وفي القسم الأخير من الكتاب تضمن الأشكال الهندسية للبيوت في قرى فلسطين، وريفها، وأن القدس كان فيها 139 مكانا دينيا، وكثرة القناطر ،والأزقة المبلطة ببلاط الريم والمراجع والمصادر باللغتين العربية والانجليزية.

بعد هذا العرض السريع لمادة الكتاب يمكن الإشارة إلى الملاحظات ، والمقترحات الآتية:
1-أوردت الباحثة نماذج للاغاني ،والأمثال، والأكلات الشعبية الفلسطينية، خاصة التي كانت سائدة قبل النكبة.
2- ركزت الباحثة على الأعياد الدينية ، والعادات ،والتقاليد عند المسيحيين، بشكل مميز، حبذا إعادة النظر، والحديث عن الأعياد، والمناسبات عند المسلمين، وعاداتهم وطقوسهم بشكل أوسع ، ومقارنتها مع عادات وتقاليد وطقوس الأخوة المسيحيين.
3- إعادة تصنيف الأمثال الشعبية ، وعمل ملحق خاص بها من صفحة 210-143 خاصة التي وضعتها تحت موضوع السخرية.
4-إيراد قائمة بأسماء الأشخاص الذين قابَلتهم في الهامش أو في الملحق .
5-عمل ملحق خاص بالمفردات، والمصطلحات الشعبية، المرتبطة بالعادات والطقوس في فلسطين المتعلقة بالمناسبات والأعياد.
-اعتمدت الباحثة المنهجية العلمية في كتابها ، والاستناد إلى الكتب والمراجع العربية 14 مرجعا، والانجليزية 22 مرجعا، يدل على سعة اطلاع الباحثة وثقافتها، وتمكنها من اللغة الأجنبية .
-أوردت الباحثة في متن الكتاب صور الأزياء الشعبية في منطقة رام الله، والتعامره، ودبورية، وصفصاف قضاء صفد، والحولة الشمالي ،وبحيرة طبريا، وشعفاط ،ولفتا، وأريحا، وبئر السبع، والناصرة، مما عزز من قيمة الكتاب-الصورة بألف كلمة-.

والله يعطيك العافية-الباحثة يسرى جوهرية عرنيطة- - على الجهد المبارك الذي بذلتيه في إعداد الكتاب ، ولك كل الشكر، والعرفان، والتقدير، على هذا الجهد الدءوب الذي تحرصين فيه على توثيق مجالات التراث ، وألوانه وأنماطه ، وتفرعاته، والتي يجهل الكثير عنها، أو يتجاهلها.

كلمة حق تقال :"أن الباحثة أضاءت سراجا منيرا في مجال الفنون الشعبية الفلسطينية ، كل التحية ، وكل الشكر، والتقدير لجهودك الرائدة، وكلنا أمل، ونتطلع إلى درة تراثية نفيسة أخرى.