الحرف اليدوية الفلسطينية

 

الحرف اليدوية نتاج يبدعه الفنان الشعبي بطرق عفوية بسيطة فيفصح من خلاله عن أهداف مختلفة. فقد يكون هذا الانتاج للتعبير عن أحاسيسه ومشاعره وما يجيش في نفسه من آمال وتطلعات، أو لغرض استعماله الذاتي، أو لأغراض الترفيه عن نفسه، أو للتكسب منه مادياً مكافحاً في سبيل حياة أفضل.

ولا شك أن البيئة التي يعيش فيها الفنان الشعبي، وما تحويه من موارد طبيعية وموارد أولية، وما تتأثر به من طبيعة ومناخ، تجعل لكل تجمع بشري، مهما صغر، صفة خاصة يتسم بها.

فالحرف اليدوية الشعبية متحررة تحرراً شبه تام من تحكم الآله وسيطرتها، وغير مقيدة بالأساليب والنظم الاقتصادية والتجارية.

ومن أهم الحرف المتداولة في فلسطين: الشمع، وخشب الزيتون، والصدف، والزجاج الخليلي، والنسيج، والحرف المعدنية، والسيراميك الفخار، والصاق الأزهار على بطاقات التهنئة، وشغل الخرز، والنقش على البيض، وصناعة الصابون* ودبغ الجلود، والتقشيش.

1) صناعة الشمع: وهي صناعة رائجة لها سوق تجارية رابحة، ويتكاثر الطلب عليها في شتى الاحتفالات الدينية، والأعراس، والمآتم، وزيارات المقامات الدينية، وإيفاء النذور. وهي بأشكالها المتعددة وزخرفتها الجميلة تغري السياح الكثر الذين يؤمون الديار المقدسة فيشترونها في أثناء زياراتهم الدينية.

وقد اشتهرت القدس* بهذه الصناعة. ومن أشهر الأسر المحترفة صناعة الشمع: أسرة فراج، والأردمجي، وكتن، والجوزي، والشماع.

يصنع الشمع من شحم حيواني (غنم أو بقر) يذاب على نار هادئة ليكون عجينة تصب بشكل ألواح. وقد يضاف إلى الشمع الحيواني شمع العسل أو شمع النحل. توضع العجينة في وعاء كبير فيه ماء على نار حتى يسخن، ويحضر إطار كبير مدور ذو مسامير يحمل فتائل من اقطن على مسافات معينة. وقبل وصول السائل إلى درجة الغليان تغطس الفتائل في الوعاء، أو يسكب عليها بمغرفة من سائل الشمع وينتظر حتى يبرد. تكرر هذه العملية عدة مرات حتى تصل الشموع إلى السماكة المطلوبة. ويأتي هنا دور الفنان فينقش عليها بظفره، أو بإصبعه، أو بعود خشبي رفيع رسوماً مختلفة، وتعاريج جميلة، ونقوشاً بديعة. كما يصب على الطويل منها ماء الذهب، أو يلصق عليه وروداً صناعية أو زهوراً ذات لون مختلف عن لون الشمعة.

ويحضر الشمع في أشكال وأعداد مختلفة. فالفند مثلاً مكون من 23 شمعة ملصق بعضها ببعض. وهناك كفان من الشمع يحتوي كل منهما على 13 شمعة، ويرمز ذلك إلى المسيح وتلاميذه الاثني عشر.

2) صناعة الخشب*: صناعة خشب الزيتون من الحرف الشعبية العريقة لما لها من دلالة شعبية أصلية وتقاليد اجتماعية أثيرة. والمعروف أن القدس أشهر مدينة فلسطينية اختصت بصنع خشب الزيتون. ويبذل تقصي تاريخ هذه الصناعة أن عين كارم*، القرية القريبة من القدس، هي أول من أتقن هذه الحرفة. وكان لأسر الديني وجعانيني وزكريا الفضل في نشرها. أما في القدس فقد عرف من محترفي هذه الصناعة أسرتنا قرط والجمال. وقد اهتمت كثيراً بهذه الحرفة أيضاً بيت لحم*.

ويمتاز خشب زيتون فلسطين بصلابته ومتانته وجمال العروق التي تتخلله.وقد استفاد حرفيو هذا الخشب من هذه الميزة، أي من تموجات ألوانه، فاتكلوا عليها في زخرفة انتاجهم، ولم يلجأوا إلى تطعيم الخشب بمواد غير خشبية كالأصداف والعاج والمعادن بل ركزوا على الحفر فيه والتحريم فقط مع إبراز تموجات الخشب الطبيعية.

كما تنبهوا إلى جمال مادة هذا الخشب فلم يشوهوها بطلاء خارجي، بل اكتفوا بمسحها بزيت الزيتون أو بقليل من مادة ملمعة.

من مصنوعات الخشب القديمة الأولى المصابيح الخشبية والمسابح المصنوعة من نوى الزيتون. وقد شجع رواج هذه الصناعة وتهافت السياح عليها المحترفين على صناعة أنواع مختلفة والتفن بحفرها وزخرافها، من ذلك رسوم لمعالم دينية فلسطينية وصلبان وشمعدانات وقلائد وجمال خشبية وأوان للزهور وغيرها.

ولا بد في معرض الكلام عن صناعة الخشب من الإشارة إلى حرفة قد تصنع من غير خشب الزيتون وإن كانت لا تنقض عنها في أصالتها الشعبية ألا وهي صناعة الأمشاط. وقد آلت هذه الصناعة إلى الانقراض والزوال بعد انتشار أمشاط “البلاستيك والنايلون” المستحدثة، شأنها شأن أغلب المورثات الصناعية الشعبية الأخرى.

كان المشط يصنع من قطعة من الخشب رقيقة مربعة بحجم الكف وتصنع الأمشاط أيضاً من العظام. وتستعمل القطعة الصغيرة منها مشطاً للرجال. والكبيرة مشطا للنساء. وتقص أسنان المشط على الجنبين بسكين صغيرة، ثم يخفف من سماكتها بمبرد صغير وتنعم، وتنقش بعد ذلك قاعدته. وتطلق كلمة “ماشطة” على المرأة التي تحترف تزيين النساء، من تصفيف الشعر إلى تزيين الوجه وتجميل الجسم.

3) صناعة الزجاج* الخليلي: من أقدم الصناعات التي عرفت في فلسطين.

وكانت هذه الصناعة في الخليل* واسعة الرواج تصدر مصنوعاتها إلى أسواق سورية ومصر وتركيا والحجاز ورومانيا. ولا تزال تقوم في رومانيا صناعة للزجاج تسير على منوال الصناعة في الخليل. وفي مصر تصنع القناديل اللازمة للجوامع والكنائس والأديرة على شاكلة الزجاج الخليلي.

وتباهت مدينة الخليل حينا من الزمن بسبعة مصانع للزجاج درت عليها أرباحاً طائلة ورفعت إسمها في ميدان هذه الصناعة. ولكن مما يؤسف له أنه لم يبق من هذه المصانع سوى واحد.

يستعمل في صناعة الزجاج هذه مواد خام متوفرة بكثرة في الخليل وضواحيها، فيؤتى بالرمل من مكان لا يبتعد كثيراً عن الخليل، ويستخرج القلي من نبات يكثر في تلك الجهات (نبات الحمض).

يحرق هذا النبات فيتصاعد منه لهب أزرق يدل على وفرة الهيدروجين فيه، ويتحول إلى كتل كثيفة جامدة تشبه أكسيد الحديد أو النحاس وتدعى “القلي”. تكسر هذه الكتل إلى قطع صغيرة وتغلى في الماء في قدر كبير فيعلو المركب رغوة كثيفة تؤخذ بمغارف نحاسية وتبسط على البلاط لتبرد وتجف. ومتى جفت تبلورت وتحولت إلى أملاح تشبه نترات الصودا.

وفي المرحلة الثانية تخلط الأملاح الآنفة الذكر بالرمل بنسبة 3 إلى 2، ويحمص المزيج في مقلى كبير من النحاس تبلغ مساحة قاعدته ستة أمتار مربعة فتتحد ذرات القلي والرمل بالحرارة، ثم ينقل المركب الناتج عنهما إلى أتون كبير لصهره، وبعد مرور مدة لا تقل عن عشرين يوماً تكون الحرارة خلالها على أشدها بصورة دائمة يتحول المزيج إلى مادة لزجة تعرف بالزجاج المصهور. يترك الأتون بعد ذلك ليبرد، وعندها يتشقق المركب من تأثير الرطوبة التي يمتصها الهواء. وزنة الزجاج المصهور من أربعة إلى سبعة أطنان في المرة الواحدة.

ولما لم يكن لدى صانعي الزجاج آلات حديثة أو قوالب خاصة، فقد كانت عملية صنع الزجاج تحتاج إلى مهارة وجلد، إذ تؤخذ كتل صغيرة من قطعة الزجاج الكبيرة وتصهر في فرن خاص مصنوع من الطين وتحول إلى خرز أو صحون أو غيرها.

ويلون الزجاج بمزجه بكميات من أكسيد النحاس والرصاص وحجر المغنسيوم الموجود بكثرة في تلك الأنحاء تضاف إليه نسب أصبحت معروفة بالاختبار عند صانعيه.

وقد عزف أهل الخليل عن هذه الطريقة في صنع الزجاج منذ قرابة أربعين سنة لطول المدة التي تتطلبها، ولقلة الحطب الموجود في تلك الجهات، فاستعيض عنها وعن المواد الأولية بزجاج مكسر يجمع من المدن الكبيرة.

إن أقدم حي في الخليل يعرف بحي القرازين نسبة إلى هذه الصناعة. ومما يمكن ذكره أن هذه الصناعة ازدهرت في القرن التاسع عشر وعرضت مصنوعات الخليل في معارض أوروبية أهمها معرض بودابست وفيينا وباريس، ونال العارضون ميداليات وشهادات وجوائز لا تزال محفوظة الآن لدى أرباب الصناعة.

4) صناعة الصدف: تشتهر كل مدينة بشخصياتها الشعبية البارزة في الميادين الاجتماعية والأدبية والصناعية، وفي بيت لحم تقدمت حرفة صناعة الصدف حتى شملت الكبير والصغير والرجال والنساء، وبلغت من الشهرة درجة رغبت الملوك والقواد في امتلاك شيء من نتاجها. جاء إبراهيم باشا إلى سورية أخذ من أهل هذه البلدة ومن بيت جالا* أيضاً عدداً من أصحاب الحرف والمهن الحادقين بقصد إنشاء تلك الحرف في القطر المصري. وكذلك دعا منليك، نجاشي الحبشة السابق، أبرع الحفارين والنحاتين والبنائين من أهل بيت لحم لتشييد قصر جديد له في بلاده وقد بلغت الدقة والمهارة في صناعة الصدف عند أبناء بيت لحم أنهم صنعوا صورة لجامع عمر المشهور من الصدف، ومثلوه في كل أجزائه من أعمدة ونوافذ ونقوش وغير ذلك، وقدموه للسلطان عبد الحميد*، فاستحسنه كثيراً. ويقول يعقوب حنضل في كتاب “فلسطين وتجديد حياتها” عن هذه الحرفة انها قيدت أثناء الحكم التركي، وهناك شواهد كثيرة على ذلك مثلاً: كان بعض سكان بيت لحم يصنعون البنادق المزخرفة الدقيقة التركيب، فلما أحست بهم الحكومة التركية حاولت القبض عليهم فهربوا من البلاد، فتأخرت بعدهم هذه الصناعة”.

وكان من ازدحام الزوار وتوافدهم على مدينة بيت لحم حيث ولد السيد المسيح أن نشطت فيها حركة البيع والشراء، فازدهرت بصورة خاصة المصنوعات الصدفية الشعبية التي تميز الكثر منها بخصائص فنية غنية بمواضيع من التقاليد الفلسطينية.

يستورد الصدف والؤلؤ من بومباي في الهند وجدة على البحر الأحمر، وينفع في ماء الأوكسجين، ثم يوضع قدر من الفخار على النار. وعند الغليان يغطس الصدف في القدر ليضع دقائق، ثم ينشل ويوضع في وعاء من النحاس مملوء بالماء البارد ، ثم ينقل الى وعاء نحاس آخر فيه ماء وصابون. وتكرر هذه العملية ثلاث مرات، ثم يشطف وينشر على حبال في الظل خوفاً على لونه من الشمس. ثم يلف في قماش رومي وتبدأ النساء بفركه وتنشيفه حتى يجف ويلمع، ثم ينظم في أسلاك من فضة أو معدن أو ذهب ويعرض للبيع.

يتم أغلب صناعة الصدف باليد، فالحب يثقب ويسرد وينظم باليد. وفي حال الاضطرار إلى استعمال آلة للبرد، مثلاً، فإنها تكون بسيطة الشكل بدائية التركيب. ولتعلق الصناع بتلك الأدوات البسيطة ورفضهم اللجوء إلى الآت حديثة ما يبرره فالآلات الحديثة تعجز عن انجاز الزخرفة التي يبرعون باتقانها بأيديهم.

يحرض أهل بيت لحم ألا تقع في صناعتهم في أيدي غيرهم، ولكن الهجرة التلحمية إلى بلاد المهجر قللت من عدد المشتغلين بهذه الحرفة، ولذا التجأ أهل البلدة إلى اخوانهم أهل بيت جالا وبيت ساحور*، ودربوا بعضهم في صناعاتهم لسد حاجة البلاد الأجنبية الكبيرة إلى هذا النوع من الإنتاج.

ولا تقتصر صناعة الصدف على صنع المسابح والصلبان وما شاكلها، بل تشمل النقش والحفر والنحت والترصيع لأنواع الحلي المختلفة. ويعنى محترفو هذه الصناعة بترصيع غلافات الكتب وغيرها بالصدف.

كان معظم منتجات هذه الصناعة يباع في الأديرة الفلسطينية أولاً، ثم في أوروبا وأمريكا. وقد تمت صناعة الصدف وأصبحت هامة، وتجاوزت قيمة الأصناف الصدفية المصدرة من بيت لحم إلى الخارج مبلغ مئة ألف جنيه استرليني سنوياً في أواخر القرن المنصرم.

شجع تقدم هذه الصناعة ورواج منتجاتها الكثير من التلحميين على السفر لعرض منتوجاتهم في المعارض الدولية التي كانت تقام في ذلك الزمان في مختلف أنحاء العالم فنالوا من منظيمها الأوسمة والشهادات، إعجاباً بدقة الصناعة، وإكباراً للفن التلحمي.

5) الخزف: يصنع بطريقة بسيطة بالآلة التي تدار بالأرجل، ثم تنقش الزخرفة باليد وتخبز القوالب في فرن الحطب. وقد ساعد العثمانيون على ازدهار هذه الحرفة ببنائهم مصنعاً للخزف كان العرض منه المساعدة في ترميم المسجد الأقصى* حينذاك. وقد واصل العمال الفلسطينيون العمل في هذا المصنع بعد انقضاء الحكم العثماني، وكان إنتاجهم متأثراً بالطابع التركي إلى جانب طابع الصناعة العربية الأموية التي تتمثل بوضوح في خزف قصر هشام في أريحا (رَ: خربة المفجر).

6) الفخار: صناعة الفخار قديمة العهد جداً. وقد عثر المنقبون على آثار الفخار في غزة* وما حولها من البلاد والمدن. وذكر نابليون بونابرت فخار غزة في مذكراته. ويقال عنه إنه ظن المزاريب المصنوعة من الفخار مدافع صغيرة نصبت على السطوح لمكافحة جيشه الذي احتل غزة يومئذ. ولا يزال الفخار يستعمل في صنع كثير من الأواني المنزلية بغزة.

يصنع الفخار بدولاب الخزاف، ثم يشوى في أتون قليل الغور تحته موقد نار وكثيراً ما يقوم بهذا العمل الأخير النساء والأولاد.

إن طين غزة صالح لصنع الفخار لأن فيه قليلاً من الحديد وهو متين ويستعمل لمدة طويلة بالرغم من خشونته. وكانت غزة تصدر كميات كبيرة من فخارها إلى جميع مدن فلسطين والأردن وحوران.

ويصنع الفخار في كثير من القرى بطريقة بدائية، حتى بدون دولاب الخزاف. وتبرع المرأة الفلسطينية في صنعه، فهي تحضر العجينة التي يستحسن أن تكون لزجة، فتعمل حفرة باليد في وسطها ثم توسع هذه الحفرة بإضافة قطع متعددة بدون استعمال الدولاب، حتى تصل إلى الشكل المطلوب. فإذا أرادت أن تصنع زيراً كبيراً لجمع الماء صنعته خارج المنزل. وعند الانتهاء من صنعه يحاط بالقش وروث البقر وتضرم فيه النار، وعند انطفائها يكون الزير قد تم شيه.

ويتوقف لون الفخار على مدة الشي، فهناك الأحمر والبيج. أما فخار غزة ومنطقة النبي موسى فيمتاز باللون الأسود.

وأما الجرار المخصصة لحفظ الزيت فتطلى من الداخل بمادة لماعة تساعد على عدم رشح الزيت من الجرار.

ويبرز دور القروي كفتان خلاق عند زخرفته مصنوعاته الفخارية قبل أن تخبز، فيحفر عليها باصبعه أو بظفره أو بعود قصب رفيع خطوطاً وأشكالاً هندسية بسيطة قد لا توحي بشيء معين، ولكنها صورة لانطباعاته وأحاسيسه، وأحياناً يظهر وحدات نباتية يختار لها الألوان التي تعجبه.

7) الحرف المعدنية: ومنها الفضية والنحاسية والذهبية. فالأدوات والآنية النحاسية بأشكالها المختلفة ساهم في صنعها وزخرفتها مهاجرو الأرمن والمحترفون من يافا*، والقدس، ونابلس*، والناصرة* وعكا*. كذلك صنع المحترفون جميع أدوات الزراعة والحراثة. وكانوا يبدون اهتماماً كبيراً بالخمجر (الشبرية) فيطعمونه بالحجارة الكريمة والعاج. وكانوا يصنعونه من الفضة أو من الذهب أحياناً.

8) صناعة النسيج: من أقدم الصناعات التي نشأت مع الإنسان، وهي وليدة حاجته إلى وقاية نفسه من العوامل الجوية، وقد حرص على أن تكون، إلى جانب نفعها، أثراً فنياً يشعر بالجمال.

عرف النسيج في فلسطين منذ أيام الكنعانيين، وأخذ الفينيقيون عنهم سر صباغة الأقمشة.

والمرحلة الأولى في صناعة النسيج هي تحضير المادة الأولية، وتكون إما من وبر الجمال أو صوف الخراف أو شعر المعزى. فبعد جز هذه المواد تتولى النساء وكهول القرية غزلها بالمغازل البدائية، ثم تنسج النساء منها بالأنوال أشياء كثيرة، منها سروج الخيل، وبيوت الشعر، والبسط، والعباءات، والسجاجيد، وأراجيح الأطفال، وغيرها.

وهناك أنوال لنسج الأقمشة القطنية والحريرية، كالكرمسوت، وهو خليط من اقطن والحرير المموج. ثم القطن المعروف بالحضاري المبرسم، وهو مقلم فيه زهور حريرية حمراء. وهناك الهرمز، وهو حرير ناعم مهفوف يأتي بعرض ضيق، والتوبيت، وهو من القطن الأسود يلمع على أحد جانبيه، والروزا، وهي حرير بيج لامع متقن الصنع وغالي الثمن.

أما الأغباني المطرز بالأحمر والأسود فقد اشتهرت بصنعه المجدل*. وتبعد المجدل من أهم مراكز هذه الصناعة، وكان فيها أواخر القرن الماضي خمسمائة آلة نسيج أصبحت في عام 1948 ثمانمائة آلة. كذلك اشتهرت الناصرة بصناعة النسيج، وكان لديها في أواخر القرن الماضي 300 آلة.

ويظهر أن عدة مدن فلسطينية اهتمت بهذه الصناعة، منها صفد*، وبيت جالا، ومجدل الكروم، ونابلس، وأبو ديس، والخليل وخان يونس. ولعل أقدم بلد عرف النسيج غزة. وقد جاء في كتاب “تاريخ غزة” لعارف العارف* أنه لا يعرف أحد بالضيط متى وكيف انتقلت هذه الصناعة إلى غزة. وأما الاعتقاد فسائد بأنها أتت إليها عن طريق الهند ومصر، لا عن طريق الشام. ويبدو أن صناعة النسيج كانت منتعشة في غزة كثيراً، فقد عثر في أحد المصادر الأجنبية على كلمة Gauze الدالة على نوع من الخمار أو الشاش الشقاف يوضع على الوجه، ويعتقد أن الأسم مأخوذ من غزة خلال القرن السادس عشر. وهناك ذكر النوع من القماش مصنوع من الحرير أو الكتان عرفه الأوروبيون باسم Gazzaune ومقره مدينة غزة.

وتأسست في غزة عدة مصانع للنسيج، إلا أنها اعتمدت على الأنوال التي تدار باليد. وأعظم هذه المصانع “شركة النسيج العربية” التي أسست عام 1942.

وتقوم صناعتا الزركشة وشغل “التنتنة والدنتلا ” في رام الله* وبيت لحم. أما صباغ النسيج فكان يتم إما بصبغ الخيط قبل حياكته، وإما بصبغ النسيج كله بعد الانتهاء من الحياكة. ويستخرج الصبغ غالباً من النبات، وبالتحديد من شجرة النيلة.

ويظهر أن إنتاج صناعة النسيج لم يكن يكفي أهل فلسطين، فكانوا يستوردون القطن من مصر، والحرير من سورية وغيرها من بلاد الشرق، أو من المدن الأوروبية.

9) هناك احرف أخرى ذات رموز دينية، تحمل في الوقت ذاته معالم من الطبيعة في فلسطين، كبطاقات التهنئة بالأعياد التي تلصق حول النصوص المكتوبة عليها أشكال جميلة من الأزهار المجففة كالشقيق المعروف “يقدسان”، ولسان العصفور، والسمكة، وفرن الغزل، والبصطراف، واللعلع، وعرف الديك، والبنفسج، والبنسيه، والقرنفل، والختمية (عين البقرة)، وكلها ذات ألوان ثابتة.

10) تطريز البيض: وهي من الصناعات القديمة التي اشتهرت في القدس، فتراهم يثقبون البيضة بإبرة دقيقة لاستخراج بياضها وصفارها. وبعد الانتهاء من تنظيفها يطرزون عليها بالإبرة العادية رسوماً وتعاريج وزهوراً تبهج النظر، وتوضع المطرزات عادة في أقفاص جميلة مصنوعة من النحل المجدول.

ومن النساء من يطعمن البيض المصنوع من الشمع بالخرز الأزرق بعد أن يلصقن عليه صورة دينية غالباً ما تمثل “صعود المسيح”. كما أن كثيراً من الأيقونات القديمة تزخرف بالخرز. وتبرع المرأة الفلسطينية المدنية بشغل الإبرة والمكوك والصنارة والنول.

 


معرض الصور