“فلسطين” لغوياً وتاريخياً

إن أقدم اسم أطلق على البلاد المسماة فلسطين اليوم هو ” أرض كنعان”*. وذلك أمر طبيعي لأن أول شعب تاريخي استقر في تلك البلاد والبلاد المجاورة هو الكنعانيون القبيلة السامية التي جاءت من الجزيرة العربية فيما برجحه الباحثون في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد.

وفي أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الحادي عشر قبل الميلاد أخذت شعوب بحرية – وهو الاسم الذي أطلق عليها- لعلها جاءت من غرب آسيا الصغرى ومن العالم الايجبي، أو حتى من بعض الجزر الإيطالية، أخذت تهاجم السواحل السورية اللبنانية الفلسطينية وتستقر فيها. وقد هاجمت فئات منها مصر، ولكن رعمسيس الثالث فرعون مصر (حكم من 1198-1167 ق.م.) صدها عن بلاده. وقد ورد في النقوش التي دون فيها أخباره عن هذه الأعمال اسم شعب هو “ب ل س ت PLST ” (ورد الاسم مقتصراً على حروف أربعة صامتة لأن اللغة الهيروغليفية القديمة لم تكن تظهر في الغالب حروف العلة في كتابتها). وأذن فرعون مصر للشعب المذكور أن يستقر في الجزء الساحلي من جنوب فلسطين، إذ لم يكن باستطاعته دفع هذا الشعب خارج مصر لأن الامبراطورية المصرية كانت آخذة عهدئذ في التفسخ.

وهذا الشعب المسمى “بلست” هو الذي أطلق أسمه في النهاية على البلاد.

استقر هذا الشعب أولاً في الجزء الجنوبي من الساحل فلسطين وأقام هناك خمس ممالك- مدن هي: غزة* وعسقلان وأشدود* وجت وعقرون. والمرجح أن هذه كانت من أيام الكنعانيين لأن الصيغة التي ظهرت فيها سامية. ولكن الشعب الجديد (بلست) وسعها وكبرها ونظمها. وقد عرفت هذه المدن تاريخيا باسم المدن الخمس. ثم توسع البلست تدريجيا فأنشأوا مدينتين جديدتين هما اللد* وصقلع (يرجح أنها تل الخويلفة) واستولوا على بقية الساحل حتى جبل الكرمل*، كما أنهم استولوا على سهل مرج ابن عامر.

وتحتوي هذه الكلمة المصرية الهيروغليفية “ب ل س ت” على العنصر الرئيس لكلمة فلسطين بدون النون التي قد تكون للنسبة أو للجميع. وقد ذكر اسم فلسطين أول مرة في وثيقة مصرية رسمية يعود تاريخها إلى حوالي سنة 750 ق.م.

ورد اسم الشعب “ب ل س ت”، أي الفلسطينيين، في اللغة العبرية* “ب ل ش ت”. ويبدو أنه كان يلفظ “بلشت” بابدال السين الأصلية شيناً.

ولا تعرف صيغة أخرى لهذا الاسم في أيام الأشوريين والكلدانيين والفرس. فالنقوش التي تعود إلى تلك الأزمنة تشدد على أسماء المدن وتبرزها. وهذا ما حدث رسمياً في الوثائق اليونانية التي تعود إلى الاسكندر المقدوني وحلفائه. ولكن الاسم يرد عند الجغرافيين الكلاسيكيين باليونانية “PALAISTINA” وباللاتينية “PALAESTINA“. والفرق هو فرق في التهجي، واللفظ يكاد يكون واحداً، والإشارة هي في أغلب الحالات إشارة إلى البلاد بمجملها.

استقرت التسمية منذ أواسط القرن الرابع للميلاد بعد تعديلات متعددة في عهد الإدارة* الرومانية البيزنطية على الشكل التالي:

1) فلسطين الأولىPALAESTINA I : وكانت وحدة إدارية تحت إمرة الحاكم العام لبلاد الشام. وتشمل المنطقة الفلسطينية من جنوب جبل الكرمل ومرج ابن عامر إلى خط يبدأ جنوبي رفح* ويمتد شرقاً إلى وسط البحر الميت* تقريباً. وكان الحد الشرقي لفلسطين الأولى يبدأ جنوبي بيسان* ويقطع نهر الأردن* بحيث يحيط بحيرة من الأردن الحالية بين عجلون شمالاً وطرف البحر الميت الشمالي الشرقي.

2) فلسطين الثانيةPALAESTINA II : وهذه كانت تشمل جبال الجليل* ومرج ابن عامر والمرتفعات الواقعة إلى الشرق من بحيرة طبرية*.

3) فلسطين الثالثة PALAESTINA III : كانت تشمل على المنطقة الواقعة جنوب خط رفح – البحر الميت المذكور قبلاً إلى خليج العقبة* وصحراء سيناء.

وخلاصة القول إن اسم فلسطين صار يطلق منذ ذلك الوقت على جميع البلاد الفلسطينية حالياً (مع بعض الإضافات). وأما البلاد الواقعة إلى الشرق من نهر الأردن فكانت تسمى “عبر الأردن”.

ولما دخل العرب المسلمون فلسطين وبقية بلاد الشام وانضموا إلى من كان يسكن البلاد من العرب في جنوبها وساحلها حتى مدينة قيسارية* وشرقها وأرادوا تقسيم البلاد إدارياً استعملوا كلمة “جند” للوحدات الإدارية الشامية. فقسمت فلسطين بين جندين: جند فلسطين، ويشمل فلسطين الأولى والثالثة من التقسيم الروماني البيزنطي. وكانت عاصمته اللد إلى أن بنى سليمان بن عبد الملك* الرملة* ونقل الإدارة إليها. والجزء الباقي من فلسطين، وهخو قسم من مرج ابن عامر وشمال الغور* الأردني وسهل عكا* كان جزءاً من جند الأردن وعاصمته طبرية*.

وقد استعمل جغرافيو العرب هذا التقسيم الإداري في حديثهم العام عن بلاد الشام. فهو واضح عند الاصطحري (القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي)، وعند ياقوت في معجم البلدان (القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي).

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجغرافيين العرب لم يكونوا يعنون كثيراً بهذين الجندين بل انصرف اهتمامهم إلى المدن والأقاليم حملة لارتباطها بأعمال العمران والخراج وغيرها من شؤون الإدارة.

ولما احتل العثمانيون بلاد الشام وقسموها أول الأمر إلى ايالات صارت فلسطين تابعة لعكا*، أو دمشق، أو غزة، أو نابلس*، أو غيرها, ولم يكن هذا التقسيم ثابتاً بل كان عرضة للتجاوز تبعاً لأهواء الحكام والمهمات التي أوكلت إليهم أو ندبوا أنفسهم لها. وبعد تنظيم الولايات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أصبحت فلسطين إدارياً قسمين: الأول متصرفية القدس، وتشمل على العموم النصف الجنوبي من البلاد. والثاني يتكون من شمال فلسطين، ويقع في متصرفتي نابلس وعكا. وهاتان المتصرفيتان كانتا تتبعان ولاية بيروت.

ومن الملاحظ أن الرحالين الأوروبيين في القرن التاسع عشر مثلاً كانوا يطلقون اسم فلسطين على البلاد بأكملها. وحتى حين وضع كوندر دليله الأثري للبلاد في أواخر القرن الماضي سماه “مسح فلسطين”.

إن تحديد فلسطين على النحو الحالي لم يستعمل إلا بعد الحرب العالمية الأولى وتخطيط المنطقة لتتفق مع صك الانتداب* والسياسات التي كانت توافق عليها عصبة الأمم* بعد أن تكون الدول الكبرى قد أقرتها فيما بينها تبعاً لمصالحها وسياساتها

 

.