الفلسطيون

الفلسطيون


يستخلص من الكتب المقدسة والنقوش والآثار* أن الفلسطينيين قوم من الأقوام الخمسة التي تنتمي إلى شعوب البحر، وقد سكنت الشاطىء الجنوبي من فلسطين ويعتقد أنها هاجرت من مناطق بحر ايجة إلى كنعان* القديمة فأعطتها اسمها الحالي “فلسطين”. ويعتقد المؤرخون المعاصرون أن الهرج السكاني الذي تعرضت له مناطق آسيا الصغرى وبحر أيجة في نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد دفع هذه الأقوام إلى البحث عن أوطان أكثر اطمئناناً، فاندفعت باتجاهات شتى كانت منها هجرات الفلسطينيين إلى الساحل السوري فقضت واحدة منها على مدينة أوغاريت (رأس شمرا)، وهاجمت الثانية صور، واستوطنت الثالثة الساحل الجنوبي من سورية القديمة بعدما هزمها رعمسيس الثالث عام 1191 ق.م. عند محاولتها غزو الساحل المصري. كما استوطن قسم من هؤلاء، ويدعون بالجيكر أو التجكر، منطقة دورا جنوبي الكرمل الذي اعتبر الحد الفاصل بين مناطق نفوذ الفلسطينيين والمناطق الفينيقية. وبمرور السنين تمكن الفلسطينيون من فرض سيطرتهم على المنطقة الساحلية الممتدة من جنوبي يافا* إلى غزة* واستوطنوا مدنها السامية الأصل، وأشهرها غزة وعسقلان وأشدود* وعقرون. ويبدو أنهم لم يشعروا بالاطمئنان لفكرة الابتعاد عن الساحل، فلم يقيموا إلا في مدينة داخلية واحدة هي غاث (تل عراق المنشية* على ما يعتقد، على بعد قرابة 8 كم جنوبي بيت جبرين*) كما لم ينشئوا أكثر من مدينتين داخليتين هما اللد* وصقلغ ( شمال بئر السبع*).

وترجح المصادر، ولا سيما المصورة من عهد رعمسيس الثاني، وكذلك بقايا الخزف المطلي الذي عثر عليه في مناطق سكناهم، انتساب الفلسطينيين إلى الأقوام الأوروبية التي استوطنت في بدايات تجمعها أجزاء متعددة من البلقان وبلاد اليونان وجزر البحر الايجي. وتدلل ظاهرة محافظة الفلسطينيين على مميزاتهم الحضارية فترة طويلة من الزمن على أنهم لم يحاولوا الاختلاط يسكان البلاد الأصليين من العناصر السامية، ويساعدهم على ذلك اصطحابهم نساءهم من موطن هجرتهم الأول.

وقد اقتبس الفلسطينيون نظام الحكم الفينيقي فأنشأوا من مدنهم الرئيسة الخمس”ممالك – مدناً” يحكم كل منها “سيد” وترتبط جميعها باتحاد اتفق على أن تكون عاصمته مدينة أشدود. وقد وصلت صورة أحد هؤلاء الأسياد على غطاء تابوت وجد في خربة المشاش جنوب شرق بئر السبع يبدو فيها السيد بلحية على الشفة السفلى وشعر مجدول.

وكان العبرانيون* – حسب رواياتهم المقدسة – أقوى منافسي الفلسطينيين على امتلاك فلسطين الداخلية بشكل خاص. وقد تمكن الفلسطينيون من منافسهم حوالي عام 1050 ق.م. وغنموا منهم تابوت العهد الذي أودعت فيه الوصايا العشر* ونسخة التوراة* الأصلية وحملوه إلى عاصمتهم أشدود. ويعزو المؤرخون تفوق الفلسطينيين إلى نوعية أسلحتهم التي صنعوها من الحديد الذي يعزى اليهم إدخاله إلى تلك البلاد. وتصور قصة “جوليات” محارباً فلسطينياً وتؤكد عظمة أسلحته ودروعه المصنوعة من الحديد.

ويبدو أن تعدين الحديد أصبح في تلك الفترة حكراً على فلسطين الذين كانوا يتقنونه لدرجة أن المصادر اليهودية تذكر أن العبرانيين المعاصرين كانوا يحددون أدواتهم وأسلحتهم عند حدادين فلسطين. وفي الوقت الذي تعرضت فيه وحدة المدن الفلسطينية إلى التفكك تعرف العبرانيون إلى صهر الجديد وتعدينه. وتمكن العبرانيون من الفلسطينيين، ولا سيما بعدما ضم الملك داود منطقة آدوم (جنوبي البحر الميت*)، وكانت غنية بمعدن الحديد، إلى مملكته.

وعلى الرغم من أن الحفريات الحديثة التي جرت في فلسطين لم تسفر عن آثار مادية كثيرة خلفها الفلسطينيون تدل على شخصيتهم الحضارية فإنه يعزى إليهم، إضافة إلى فضل تقل الحضارة السورية من عصر البرونز إلى عصر الحديد، فضل آخر هو تعميم معرفتهم ما وراء البحر على جيرانهم الفينيقيين* الذين مالوا إلى الأسفار البحرية البعيدة فساهموا في استكشاف مناطق مجهولة من البحرين المتوسط والأحمر، وكذلك شرقي المحيط الأطلسي.

بدأ الفلسطيون بعد أن تقلص نفوذهم السياسي يتأثرون ويختلطون بسكان البلاد الأصليين من المناصر السامية التي كانت قد استوطنت البلاد منذ 3000 ق.م.  واندمجوا بهذه العناصر لدرجة لم يعد بالإمكان تميزهم منهم. حتى ان النبي نحميا عندما كتب عنهم في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد لم يذكرهم بالاسم بل ذكر “الأشدوديين” و”اللغة الأشدودية” والاله داجون* “الأشدودي”.