تمام الأكحل

شهادة امرأة وحكاية جيل: سيرة تمام الأكحل وإسماعيل شمّوط

لوحة الفنّانة تمام الأكحل

 

"يده هي التي ترى وقلبه هو الذي يرسم! صراع الفنّ مع الموت القادر على إتقان مهنته الأبديّة، والعاجز عن تعريف الخلود الذي لا شأن له به. فالخلود هو صناعة الفنّان".

من هذه الكلمات للشاعر محمود درويش، التي ألقاها في تأبين الفنّان إسماعيل شمّوط، استوحت الفنّانة تمام الأكحل (1935) عنوانًا لكتابها: "اليد ترى والقلب يرسم"، الصادر مؤخّرًا عن مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، والذي توثّق به الأكحل سيرة حياتها الفنّيّة والشخصيّة، بالإضافة إلى سيرة زوجها، التشكيليّ الفلسطينيّ إسماعيل شمّوط (1930-2006)، عبر تاريخهما الفنّيّ والنضاليّ وقدرتهما الإبداعيّة في التعبير عن الموضوع الفلسطينيّ.

عذابات الريشة واللون

الكتاب الذي قدّم له الروائيّ اللبنانيّ إلياس خوري، وحرّره غانم بيبي، مذكّرات تسير في محورين، عامّ وخاصّ؛ الأوّل يقدّم شهادة نادرة عن زمن الخروج من يافا بعد النكبة وبداية تأسيس رؤية فلسطينيّة، كما تسجّل تاريخ الفنّ التشكيليّ الفلسطينيّ منذ بداياته، وما شهدته الريشة واللون من عذابات الفلسطينيّين النازحين ونضالات الشعب الفلسطينيّ. أمّا الثاني، فيروي كيفيّة لقاء الأكحل بشمّوط وتعايشهما الفنّيّ كمبدعين، وأسباب الفراق الذي أبعدهما فترة غير قصيرة ليلتقيا بعدها حبيبين، ثمّ زوجين.

حاولت الأكحل أن تضيء على مواطن الوجع والحلم في حياتهما، ورفعت الستار بالردّ على أسئلة حول الطموحات والشغف والعناد والحبّ الغامر والتهجير الذي نال منهما الكثير، وحرمهما نعمة الاستقرار في وطنهم بسلام، والذي يمثّل، وفق المؤلفة، مصدر وجودهما واستمرارهما وإلهامهما؛ فمنذ الطفولة حاكت فلسطين بدايات كلّ منهما، ثمّ جدلتها معًا في حكاية مستمرّة واحدة حتّى رحيل شمّوط.

فانوس الليل الطويل

أمّا الكلمة التقديميّة للروائيّ اللبنانيّ إلياس خوري، فقد جاءت بمثابة مفتاح لفصول الكتاب الذي رأى فيه خوري حكايات النهاية التي صارت بداية. ففي ذلك الليل الفلسطينيّ الطويل، كما يقول، لم يبق سوى ضوء الإرادة، وألق التمسّك بالحياة. من خيوط هذا الضوء أعاد الفلسطينيّون، نساء ورجالًا، نسج حكايتهم وبناء حياتهم وتأسيس ثقافتهم.

فالأكحل، كما يلفت صاحب "باب الشمس"، لا تروي حكاية زوجها إلّا لتروي حكاية جيل النكبة الذي وجد نفسه في عراء التاريخ، فحاول أن يعيد صوغ هويّته بالألوان والكلمات، وأن يجمع ذاكرته كي يبدأ تأسيس الحلم الفلسطينيّ. كما يرى خوري أنّ بين يافا، حيث وُلدت تمام، واللدّ، حيث وُلد إسماعيل، مسافة مصبوغة بدماء الضحايا. القوارب التي أخذت أهل يافا إلى المنافي، وأمواج مسيرة الموت التي صنعت أحد الفصول المأساويّة في حكاية اللدّ، تلتقي على قماشة لوحة وفي مسيرة حياة.

نافذة على البدايات

ويرى خوري أنّ المؤلّفة تفتح لنا، عبر مذكّراتها، نافذة نطلّ منها على البدايات، وكيف تحوّل ركام البلد إلى حجارة بنت وطنًا منفيًّا من وطنه، فصار وطن جميع الفقراء والمضطّهدين في العالم العربيّ وفي العالم. كما نتعرّف من خلالها إلى بعض ملامح امرأة، وكثير من تجربة فنّانَيْن بحثا عن فلسطين في كلّ مكان، ليجدا أنّ الوطن مرسوم في أرواح الفلسطينيّين، وأنّ الحكاية، حين تُروى، تستدرج حكايات أخرى لا نهاية لها.

تمام الأكحل وإسماعيل شمّوط

يخطىء المؤرّخون الذين ينسبون تأسيس منظّمة التحرير إلى قرار اتّخذ في القمّة العربيّة عام 1964، فالمنظّمة، والقول لخوري، كوطن منفيّ، بدأت في اللوحات والروايات والقصائد، وبعد ذلك جاء المستوى السياسيّ كي يمأسس ما صُنع في كفاح الكلمات والألوان، وفي موت الفدائيّين البطوليّ وهم يعانون بطش المحتلّ وعسف الأنظمة العربيّة. وهنا ويؤكّد خوري على أنّ تمام وإسماعيل كانا جزءًا من تلك العاصفة التي وجدت في المنظّمة بيتًا لمَن فقد بيته، وهما في تجربتهما يدعواننا إلى إعادة قراءة الثقافة بصفتها مقتربًا للدفاع عن الحياة، واستيلادًا للحيّ من الميت.

ترميم الروح بالحلم

يمكن للكتاب، وفق خوري، أن يُقرأ في مستويين؛ الأوّل كشهادة امرأة من أجل تحرّرها الشخصيّ وكفاحها، وحيدة، في مواجهة الفقر والتشرّد والضياع، أمّا الثاني، كحكاية جيل رسم أبجديّة فلسطين الجديدة، من سميرة عزّام إلى غسّان كنفاني، ومن محمود درويش إلى شفيق الحوت. صحافيّون وشعراء وروائيّون وتشكيليّون، رمّموا الروح بالحلم، واستعادوا فلسطين بالكلمات التي تحوّلت إلى فعل مقاوم.

كما يرى أنّ حكاية المرأة تستحقّ أن تُقرأ على حدة، وتقارَن بنصوص فدوى طوقان وسحر خليفة، والتي يمثّل التمرّد الفرديّ واللغة النسويّة فيها، جزءًا تكوينيًّا من خطاب التحرّر الوطنيّ، إذ لا تحرّر من دون حرّيّة المرأة ومساهمتها الإبداعيّة والنضاليّة. أمّا حكاية ذلك الجيل، فأسّست للأجيال اللاحقة جذورًا.

لوحة الألم

 كانت الثقافة تتكامل مع النضال الوطنيّ من دون أن تخضع لأيّ سلطة، لأنّ حرّيّتها صنعها المثقّفون وهم يجمعون فتات النور من العيون التي أطفأتها النكبة، معلنين أنّ بناء لغة المقاومة هو شرط وجود وطن يواجه ممحاة التاريخ المنقلب.

يقول خوري: "كان جيلًا آتيًا من أماكن أيديولوجيّة وفكريّة وسياسيّة متنوعّة، لكّنه اكتشف أنّ شرط التنوّع في بيئة مهدّدة بالاندثار هو الوحدة، وأنّ مقاومة المحتلّ ممكنة وضروريّة، في إطار وطنيّ جامع. نجح الشمّوطيّان في بناء لوحة الألم، لأنّهما كانا جزءًا من هذا الكلّ، من دون أن تذوب تجربتهما الفرديّة فيه".

ويضيف: "كانا من أبناء تلك المرحلة التي لم تترك للفردانيّة متّسعًا، لكن مساحة الفنّ كانت لهما أرضًا شاسعة وبلا حدود، فصنعا لنا اللوحة الفلسطينيّة الطالعة من النكبة، ليعبّدا للأجيال اللاحقة حرّيّة التحرّر من الهويّة التي صارت إنجازًا راسخًا".