جواز سفرأوروبي - فلسطين اقرب؟

 "رح اخد الجنسية واستلم الجواز الأوروبي وبوجهي على فلسطين"
بياعين الحكي من أبناء شعبنا يسوقون احياناً هذه الجملة ليغطوا هدفهم الأساسي من الهجرة ...

نعم يا سيدي ستستطيع أن تدخل الى "فلسطين" بعدما تأخذ الجنسية الأوروبية ، هذا أن اتخذت فعلاً قرارك بزيارتها ، ودعني اعطيك خريطة مبسطة لرحلتك الميمونة الى فلسطين.
ستغادر مطارك الأوروبي على الخطوط الجوية (الإسرائيلية ، العالאלעאל ) أو غيرها وستحط في مطار اسمه بن غوريون ، وسيستقبلك صهيوني قادم من بولونيا أو هنغاريا أو اليمن ، قد يصادف أنه يقيم في منزل جدك ومازال حتى اليوم يستعمل قدوره النحاسية.
وسيطلب منك جواز سفرك الأوروبي ويبتسم بوجهك ويزين صفحته الاولى ويختمه باحرف عبرية ستلازم جوازك سنوات طويلة .

وستقوم فتاة صهيونية جميلة قادمة من كندا أو اثيوبيا بإرشادك الى كوة تصريف العملة لتبدل يوروهاتك بكمية من اوراق البنكنوت من فئة الشيكل الصهيوني ، وبهذا تكون قد دعمت المصرف المركزي الإسرائيلي ببعض من العملة الصعبة التي تدفع لشراء الرصاص الحنون الذي سيستقر في صدر أبناء شعبك الحبيب.

وستعدو اليك جميلة أخرى بتنورة تكشف عن فخذين نضرين ، وتناولك بعضاً من كتالوغات وأدلة سياحية بعدة لغات منها لغة وطنك الجديد واللغة العبرية ، وليس منها لغة وطنك الام.

ستخرج من المطار محاطاً بمئات اللافتات المكتوبة بلغة عبرية جميلة تقول اهلا بكم على أرض صهيون.

وستستقل سيارة تكسي قد يصادف أن سائقها عربياً إن لم يكن خزرياً أو روسياً ، يعمل بأدنى الأجور ليعيل عائلة من أصحاب الأرض الحقيقيين ، ويشغل السيارة التي يملكها يهودي بريطاني قد يصادف أنه من سلالة روتشيلد الممول الاول لاحتلال وطنك فلسطين الذي تزور انت كياناً بديلاً عنها اسمه "إسرائيل".

ستعبر بك السيارة شوارع اللد باتجاه حيفا وستطالعك على طرفي الطريق سهول وجبال وطنك القديم وكيانهم المصطنع ، مزينة بلوحات الدلالة على قرى ومدن لا اسماء ولا معنى لتسمياتها ، وستبتسم ابتسامة البهلول فرحاً بعودتك الميمونة "المؤقتة" الى فلسطينك الحلم.

بينما عداد التكسي يدور ويسجل مزيداً من الشواكل التي ستستقر في جيب مالكه اليهودي بكل محبة وحبور.

سيوصلك السائق الى فندق فخم مصنف بخمس نجوم قد يصادف أن اسمه كارميلا نسبة لجبل الكرمل الذي تعود اصول اجدادك إليه مثلاً ، ويزين كلمة كارميلا نجمة سداسية واحرف عبرية لن تستطيع أن تفقهها.

وستنزل ضيفا عزيزاً على المؤسسة السياحية الصهيونية التي ترفد ميزانية قتل أبناء شعبك بمليارات الدولارات سنوياً.
ستنام قرير العين ليلتك الاولى في مدينتك التي عدت إليها فاتحاً بعد أن ناضلت سنوات مريرة في رفاهية الأوروبيين لتحصل على سيفك الذي الذي كسرت به اقفال ابواب مدينتك التي اغلقها في وجهك المحتل الشرير.

وستستيقظ صباحاً وتتوجه الى المطعم لتناول فطورك التي اعدته يهودية مغربية أو أرجنتينية ، وستنهي فطورك وتحمد الله ، وتتناول فنجان من القهوة التي أعدها لك خصيصاً يهودي يمني يصادف أنه يزرع الفريز في حديقة منزل عمتك أو خال امك.

ستخرج من الفندق مرتديا الشورت الأوروبي والتي شيرت الأمريكي وتضع على ظهرك حقيبة السياحة الفرنسية وتستقل سيارة تكسي يملكها يهودي روسي يدير أعماله المافيوية في وطنك العزيز من شوارع موسكو ، وستتوجه فرحاً مغتبطاً لزيارة قريتك التي احتلها الصهيوني منذ سبعون عاماً واعطاها اسماً مسخاً ، وستصل وقلبك ينبض حبا وشوقاً ، ليطالعك سكان القرية القادمون من اربع اركان الارض وهم يفلحون ويزرعون تراب قريتك ، فيخيل اليك أن أحدهم هو جدك الذي كان يفلح ويزرع نفس التراب قبل قرن مضى ، ويوقظك من احلام يقظتك الوردية صوت السائق بلغة انكليزية ركيكة .... لقد وصلنا.

ستنزل من السيارة بعد أن تدفع الشواكل المستحقة وانت تبتسم للسائق شاكراً له خدماته الجليلة في ايصالك الى مسقط رأس ابوك واجدادك .

وبلهفة المشتاق ستركض الى منزل والدك الذي وصفه لك بدقة قبل أن يسلم الروح ويبتلعه قبر مظلم غريباً يحلم بتراب أرضه وقبورها.
ستقرع سقاطة الباب القديمة قٍدم تجاعيد وجه جدك ، وتعود لأحلام يقظتك متمنياً أن تفتح لك الباب جدتك العجوز مرحبةً بك وتدعوك لتناول خبز الطابون الذي خرج لتوه من النار.
فتطالعك امرأة عجوز بوجه احمر منمش ورأس اصهب وثديين كضرع البقرة الهولندية ، وبلغة عبرية تشوبها اللكنة البلغارية ستسألك ماذا تريد.
ستحاول كما فعل بطل رواية غسان كنفاني أن تفهم تلك المرأة المنتفخة أن هذا المنزل كان يعيش به والدك وجدك ، وأنك جئت لتزور بيت الأجداد وتترحم عليهم بين جدرانه ، وسيخيل اليك كما في الرواية أن المرأة ستبتسم لك وتقول لك تفضل ، وعند مغادرتك ستطلب منها أن تأخذ تذكاراً من أحد ادوات المطبخ القديمة التي تعلقها المرأة  في سقف مطبخها على سبيل الزينة.
وسيخيل لك كما في الرواية أن المرأة ستوافق وتطلب منك مقابل التذكار عشرة شواكل لاغير.
وأنك ستغادر فرحا وانت تتخيل دموع والدتك التي تقيم في إحدى مراكز الايواء بعد ا حتلال مخيمك من الارهابيين ، عندما سترسل لها ذلك التذكارر الرائع.

قد يحصل هذا فعلاً ، وقد لا يحصل ،  حيث تستبدل المرأة المنتفخة حلمك  بكابوس ، وتصرخ المرأة الهنغارية ذات الثديين البقريين في وجهك ، وتطردك كالكلب الاجرب ، وتقول لك ارجع من حيث اتيت ... هذه ارضي وهذا بيتي ، وبيت اجدادي من قبلي ، هذا أن لم تجلب لك الشرطة وتعيدك ذليلاً الى فندقك الفاخر.
ولكنك لن تحزن ، فانت وبكل الاحوال في فلسطين ، ولن تدع عجوزاً هنغارية خرفة أن تفسد عليك زيارتك الميمونة لأرض اباءك واجدادك .... 
ستبصق عليها ، ولكن بعد أن تستقل سيارة الأجرة عائداً الى مقر اقامتك ، وتلعنها وتشتمها ولكن في سرك وانت تبتسم في وجه السائق الذي يسترق النظر اليك من مرٱته بنظرات غل وكراهية مكبوتة.
وفي اليوم التالي ستطلب من موظفة الفندق الشقراء القادمة مصادفة من أوروبا حيث تقطن انت حالياً ، وقد يصادف أنك في اوروبا تسكن في منزل جدها الذي هاجر إلى أرض اللبن والعسل قبل بضعة عقود ، و ستطلب منها دليلاً يوصلك إلى مدينة صفد مسقط رأس جدتك التي لطالما حدثتك عنها وعن جمال اطلالتها على جبل الجرمق الشامخ وبحيرة طبرية الٱبدة.
وستطلب في سرك من الله العزيز النصير أن يجعل رحلتك اكثر حظاً من رحلتك الى قريتك السليبة.
ولكن قد يكون حظك هناك عاثراً اكثر ، وقد تصطدم باحد الصهاينة المتشددين الذي سيعتدي عليك بالالفاظ النابية ، فتثور حميتك وتكاد تضربه ، لتصل بك الأمور أن تقع في قبضة الأمن الصهيوني الذي سيقرر ترحيلك الى البلد الذي جئت منه.
هنا ستثور ثورتك وتخرج بسبورك الأوروبي وتلوح به وتقول لهم بكل حزم انا مواطن اوروبي ، اطلبوا لي السفير حالاً ، وسيأتي موظف من سفارة وطنك المستجد ليحل الاشكال ويطلب منك بأدب مغادرة دولة بني صهيون لأنك لم تعد مرغوبا بك هناك.
وقد لا يحصل كل هذا ، بل ستكون رحلتك سارة وجميلة ومدهشة وستحقق كل ما حلمت به طيلة سنوات اقامتك الأوربية ، الا حلم البقاء على أرض ابوك وجدك.
وستعود محملا. بالتذكارات وقليلاً من الزعتر الفلسطيني المدموغ بالعلامة العبرية ، وثلاثة حبات من البرتقال اليافي ذو العلامة الفارقة ( جاڤا ) بالإنكليزية والعبرية.
ومئات من الصور مع أحجار ما تبقى من أثر لتاريخك المدفون تحت أبنية الحضارة الصهيونية المستجلبة.
وستحط طائرتك في مطار العاصمة الأوروبية وانت ما تزال في حالة النشوة من زيارتك الرائعة الى وطنك الحبيب فلسطين.
وفي بيتك الأوروبي سيجتمع حولك الاصدقاء والأحبة وستدمع عيونهم وهم يراقبونك تستعرض ما جلبت من تذكارات وقليل من تراب الوطن وبضعة حصى وثلاثة برتقالات يافية قطفها من على أشجار جدك  فلاح اورالي أو اثيوبي أو كندي.
وستنام مليء عينيك فرحا لتحقيق حلمك أن وطأت قدمك ارض اجدادك أخيراً.
وستستيقظ صباحاً لتذهب الى عملك ، على نية العمل ساعات إضافية لتعويض تكاليف سفرتك الميمونة الى وطنك المقدس فلسطين سابقا "اسرائيل" حالياً.
بينما يستيقظ يهودي استرالي ، ليخرج الى بيارة جدك ليطمئن إلى موسم قطف البرتقال الذي سيصدره الى اوروبا ، جانياً ثروة جيدة من العملة الصعبة.
ليعود باكراً وابتسامته تدل على كل الرضا.
بينما تقبع انت عاملاً بعد ساعات العمل تكد لتعوض مالك.
وتقبع شاهدة قبر جدك في مخيم اليرموك تحت الردم ، بعد أن دمر قبورها احد ثوار الربيع العربي ، الذي يمكن أنه  تصادف أن مرت سيارة الإسعاف التي تنقله الى احد مشافي صفد من أمام التاكسي الذي كنت تستقله في زيارتك الرائعة.
الطريق الى فلسطين لايمر عبر جوازك الأوروبي صديقي.
الطريق الى فلسطين يمر عبر البندقية.
معتز قدورة
السويد

16 اكتوبر 2017.