وقائع سقوط مدينة صفد يرويها أحمد العباسي لمجلة «العودة»

الأستاذ الحاج أحمد عبد الوهاب العباسي من مواليد صفد عام 1926، ومن سكان مخيم اليرموك في سوريا، حاصل على إجازة في التاريخ من جامعة دمشق.
الجلسة مع الحاج أحمد أكثر من جلسة ذكريات، إنها جلسة مع «ذاكرة قارئة واعية»، فذاكرته لا تقتصر على ما رآه أو عايشه، بل تتوسع إلى ما قرأه وسمعه وتابعه، فأحاط بالخبرة والثقافة والوعي، فكانت الجلسة شاملة وممتعة ومؤلمة..

بموجب قرار التقسيم الذي حاكته أصابع الصهيونية والاستعمار، كانت صفد من ضمن المنطقة المخصصة لليهود، فهبّ أهلها للدفاع عنها والتشبث بها.
ولتضمن بريطانيا القوة لليهود في صفد تظاهرت بأنها تنوي سحب قواتها من المدينة، ولما وصل الخبر إلى القرى المجاورة أرسلت كل قرية بعض مسلحيها لدعم المجاهدين في صفد، وفي هذه الأثناء كان الجيش البريطاني يراقب التحركات من مواقعه الحصينة المطلة على الطرق المؤدية إلى المدينة، وبعد أن عرف القوة التي يمكن العرب تجميعها أعلن أنه أجل الانسحاب، وزوّد اليهود أسلحة تكفيهم للوقوف في وجه العرب وتزيدهم تفوقاً، لذلك عاد المسلحون إلى قراهم.
تدريب شباب صفد
جاء إلى صفد الملازم إحسان كمالماز الذي استقال من الكلية الحربية في سورية التي كان يعمل فيها. ولما رأى الإقبال الشديد من الشعب على التدريب أحضر عدداً من الرقباء السوريين ليساعدوه في هذه المهمة، وقد خصصت اللجنة القومية للجميع الرواتب والإقامة.
استطاع كمالماز تشكيل مجموعات من المجاهدين تتسابق لضرب العدو وإمداداته وتدمير المواقع التي كان اليهود قد خصصوها للتمركز فيها لتطويق المدينة والسيطرة عليها.
غادر إحسان المدينة إلى دمشق لطلب الذخيرة والسلاح ليستعد للجولة التي اقترب موعدها، فكان الجواب: العين بصيرة واليد قصيرة.
وفي 16 نيسان 1948 انتهز الإنجليز غياب إحسان، وانتهزوا كذلك فترة صلاة الجمعة وأخذوا ينسحبون بهدوء من مواقعهم لتسليمها لليهود. وكانوا قد احتجزوا الموظفين العرب في الطابق العلوي في المجمع الحكومي في جبل كنعان حتى لا يصل خبر الانسحاب من طريقهم إلى الأهالي. لكن هؤلاء الموظفين صنعوا حبالاً من البطانيات التي كانت لديهم واستطاعوا النزول من النوافذ الخلفية والوصول إلى المساجد لإبلاغ خبر الانسحاب، فأسرع كل من كان عنده سلاح إلى سلاحه، وتجمهر الجميع أمام المترل (وهو بناء دار الحكومة القديم) الذي كان مركزاً للبلدية وخصص جناح منه لسكن الطلاب الغرباء عن المدينة، وأصبح (المترل) أخيراً مقراً لقيادة المجاهدين، ومن هناك صار توجيه كل مجموعة مع أحد الرجال المدربين باتجاه موقع معين، وبسرعة فائقة تمركز المقاتلون على خطوط المواجهة وقد اشترك أفراد الشعب كلهم في المعركة، فالحجّارون والبناؤون يفتحون الثغرات للدخول إلى المراكز الهامة عبر البنايات المجاورة لها، ويقيمون التحصينات، والأولاد يحملون صناديق الذخيرة والإمدادات إلى خطوط القتال، والنساء يُثرن الحماسة ويحملن الماء والطعام.
دار الحاج فؤاد
وكان كلما انسحب الجنود الانجليز من موقع انقضّ عليه العرب إلا دار الحاج فؤاد الخولي، وهي بناية تقع على باب الحي اليهودي شرق القلعة قرب مقام «أبو قميص»، لأن الطريق إليها مكشوفة ومعرضة لإطلاق النار من جهة العرب واليهود على حد سواء. وفجأة رفع العلم العربي من نافذة في تلك البناية، فأسرعت مجموعة من المقاتلين لدعم هذا الموقع، ومنهم حسين المرعشلي وحسين سويد وأبو هيثم الدبور، ولما دخلوا وجدوا صبياً في السادسة عشرة من عمره يرفع العلم ويصيح الله أكبر، وكان هو الذي احتل هذا الموقع بمفرده.
واستطاعت مجموعة من المقاتلين السيطرة على بناية صالح عبد الغني في سفح القلعة التي كان يشغلها اليهود في ظل حماية الجيش البريطاني، ومن هؤلاء صلاح الهندي وحسين سويد وحميد سويد.
وبانتظار وصول الذخيرة، ولكسب الوقت والظهور بمظهر القوة، وجه العرب إنذاراً بمكبّر الصوت لليهود بالاستسلام وأعطوهم مهلة أربع وعشرين ساعة، ولما خيم الظلام ساد الهدوء الحذر على المدينة.
ولما رأى اليهود أن الفرصة ضاعت من أيديهم في احتلال دار الحاج فؤاد وأنها تشكل خطراً عليهم قرروا نسفها، فدحرجوا باتجاهها برميلاً ملغوماً، ولما أصبح هذا البرميل أمام محطة الكهرباء اليهودية انفجر فدمرها وأغلقت أنقاضها الشارع المؤدي إلى حيّهم، وانكشفت بعض مواقع اليهود التي كانت خلفها.
تساقطت بعض قذائف الهاون على حارة الجورة فطلب مركز الإسعاف فيها المساعدة لكثرة الإصابات بين النساء والأطفال، فأسرعتُ ملبياً حيث كنت قد تطوعت بالإسعاف، ولما دخلت المركز كانت الدماء الكثيفة تغطي أرضه كلها، ورأيت جثة أحد الفتيان بدون ساقين من آل الشعباني، سلمته إلى المركز.
وكان رشيد حطيني المسؤول عن هذا المركز، وبعد ساعة من الزمن طلب رئيس لجنة الإسعاف السيد نايف خرما ذهاب إلى أحد المسعفين إلى دار الحاج فؤاد ليداوم فيها، فتطوعت لتلك المهمة وتوجهت فوراً وبصحبتي من يدلني على أسلم طريق إليها حيث بقيت حتى اليوم السابق لسقوط صفد.
عاد إحسان، ولما علم بما حققه العرب كاد يطير فرحاً وأخذ يتفقد خطوط المواجهة.
الجيوش العربية تتسلم صفد
في اليوم الثاني لانسحاب الإنجليز دخلت صفد سرية أردنية من مائة وخمسين مقاتلاً، بقيادة النقيب ساري فنيش ومساعده الملازم أميل الجميعان، فرحّب بهم الأهالي، وتمركزت هذه القوة في المترل وكان ساري يحمل أمراً بتولّيه منصب القائد والحاكم العسكري للمدينة، هنا لم يبق لإحسان صفة القيادة فاكتفى بقيادة مجموعة من المقاتلين وأطلق عليها اسم «فرقة التدمير»، فكان يهاجم بها كل ليلة أحد المواقع اليهودية في خطوطهم الدفاعية ويدمره.
وعندما سقطت حيفا بأيدي اليهود ارتفعت معنويات يهود صفد ورفعوا علمهم فوق أعلى بناية عندهم، فصمم إحسان على نسفها فاخترق برجاله خط الدفاع اليهودي ووضع المتفجرات في أسفل تلك البناية وانسحب لينسفها بالتحكم عن بعد، ولكن تبين له أن المتفجرات كانت فاسدة، فعاود الهجوم لاستبدالها، وأثناء التوغل داخل خطوط العدو انفجر لغم مضاد للأفراد بالمقاتل محمود المسلمانية فاستشهد بالحال، وجرى الاشتباك داخل الحي اليهودي، ولما سمع المجاهدون الموجودون في منطقة السوق والقلعة انقضّوا على العدو وتسللوا داخل خطوطه، ما أربك اليهود فأخذوا يضربون على غير هدى، ولو استمر الهجوم لانهارت المقاومة اليهودية وحسم الموقف لمصلحة العرب.
هنا تدخل ساري فنيش وأرسل رجاله فقطعوا الإمدادات عن الذين توغلوا وفتحوا النار عليهم وأنذروهم بالانسحاب إلى الخلف، فاستشهد من جراء ذلك أربعة من خيرة المقاتلين، وجرح البعض ومنهم السيد عبد الرحيم ساعد الملقب بالصبان.
قام باستدعاء إحسان وأمره بعدم مهاجمة الحي اليهودي وحمله المسؤولية إذا لم يرضخ لأمره وقال له: إننا نريد احتلال الحي اليهودي سلمياً دون أن يلحق به أية أضرار!
إحسان يعود برجاله إلى دمشق
وفي الليل حضر إحسان إلى دار الحاج فؤاد والتقينا به واخبرنا بالأمر، قال: إنني عزمت على أخذ رفاقي الذين أحضرتهم معي للعودة إلى دمشق، فإن استطعت أن أتولى الأمر رجعت وحصل خيراً وإلا فإنكم سوف تلحقون بي، وبقينا ننتظر عودته بفارغ الصبر أياماً، لكن لم يحصل ذلك، وكان ما توقعه صحيحاً.
وكانت مجموعة من الجنود الأردنيين بقيادة الرقيب أحمد تثير لنا المتاعب والإزعاج بشكل متعمد. ومنع ساري فنيش إطلاق النار
إلا بعد أن نرى العدو بشكل جلي واضح حرصاً على الذخيرة وعدم الإسراف. ووزع على المقاتلين ذخيرة جديدة لامعة، وكان مكتوباً أسفل كل طلقة (دمشق 47)، وعندما جرب زميلنا طلقة منها انفجرت في بندقيته فآذته وأتلفتها، وعبثاً حاولنا فتح مغلاقها، كما لم نستطع فتح عينيه فنقلناه إلى المستشفى حالاً واتصلنا بخط المواجهة وأبلغناهم عن خطورة تلك الذخيرة فجُمعت وأمرت القيادة بإعادتها واحتفظت بها.
الهجوم على عين الزيتون
هاجم اليهود قرية عين الزيتون فأرسل أهلها من يطلب النجدة من صفد، فتجمهر الشباب المتحمس أمام مقر القيادة للتأكد من الخبر والإسراع لنجدة، لكن ساري اعتقل من جاء لطلب المساعدة، وعند المساء سيطر اليهود على عين الزيتون ودمروها وقتلوا كثيراً من شبابها، وبذلك انفك الحصار عن اليهود في صفد وأصبح الطريق مفتوحاً أمامهم وأخذت الإمدادات تمرّ عبر عين الزيتون إلى الحي اليهودي.
بعد هذا أخذنا نشاهد بوضوح رحيل النساء والأطفال من أهالي حي الأكراد المقابل لنا من جهة الشرق باتجاه الأحياء الغربية يحملون ما يستطيعون حمله من أمتعتهم الضرورية.
اليهود يندحرون
وفي اليوم الذي تلا ذلك، وكالمعتاد ذهب الذين كانوا يأتون بالذخيرة محملة على البغال، وعادوا بخفي حنين، ومُنع المقاتلون الذين طلبوا الذخيرة من مقرّ القيادة من الدخول وأغلقت الأبواب في وجوههم، ولكنهم اقتحموا الأبواب بالقوة يتقدمهم كمال لطفي أبو سعيد شاهراً رشاشه في وجه ساري حتى حصلوا على مفاتيح المستودع وحملوا كل صناديق الذخيرة الموجودة إلى خط النار.
صمد المقاتلون الأبطال، وفي الصباح اندحر العدو متكبداً خسائر فادحة بالأرواح وأخذ يجرّ جثث قتلاه وكانت أسلحتهم مربوطة إلى أجسامهم، وقد استشهد أربعة مقاتلين في سفح القلعة.
وحان موعد نشرة الأخبار فجلسنا حول المذياع لنسمع إذاعة لندن، فقال المذيع: في هذه الليلة سقطت مدينة صفد بأيدي اليهود، استغربنا هذا الخبر ولمسنا سبب منع الذخيرة عنا؟ لا بد أن هناك اتفاقاً مع بريطانيا واليهود؟ وبعد ساعة أو أكثر حلقت طائرتان على ارتفاع منخفض فوق صفد عليهما الشعار الأردني ثم عادتا باتجاه الأردن.
السرية المشؤومة والمنكوبة
وفي 9 أيار وصلت إلى صفد قوة مؤلفة من مائتي متطوع سلاحها كندي جديد موحد وهي منظمة ومدربة وسهلة التزود بالذخيرة. وتم توزيع هذه القوة على المناطق الحساسة في خط المواجهة في دار الحاج فؤاد والقلعة تحت جنح الظلام بدون إعطائها أي معلومات عن المناطق التي تحيط بها. ولكن عند الهجوم الأول هرب أفراد القوة الأردنية لأنهم لم يعتادوا سماع هذه الأصوات وكانوا ضحية لتنفيذ الاتفاق.
ما إن أبعدت القيادة العليا مدفع الميدان المرابط مقابل صفد بحجة مهاجمة إحدى المستعمرات البعيدة، حتى فوجئ الأهالي وذهلوا عندما أخذ الرصاص يمطر حتى المناطق التي كانت آمنة قبل هذه اللحظات، فأسرع المقاتلون من الخطوط الخلفية لتدارك الأمر، ولكن المواقع انهارت قبل استدراكه.
ذهب البعض إلى مقر القيادة ليعرفوا سبب صمت مدفع الهاون الذي كان منصوباً في ساحته فلم يجدوا أحداً، وتبين بعد ذلك أنهم انسحبوا خلسة في أول المساء. وكان إمساك جيش الإنقاذ للمحاور نذير شؤم، بحيث كان كلما أمسك محور انهار عند أول مواجهة!
الاشتباك بالسلاح الأبيض
اشتبك المقاتلون الذين كانوا في الجيوب المحاصرة بالسلاح الأبيض حتى استشهدوا أو أسروا وقطعت أوصالهم بالبلطات ومنهم الشاب المقاتل قدورة من حارة الوطاة.
خرج الناس بنسائهم وأطفالهم تحت الأمطار الغزيرة باتجاه وادي الطواحين، وكان الأمل أن يتجمع الرجال عند مركز عين التينة المقابل للظاهرية حيث كانت ترابط مدفعية جيش الإنقاذ وتقذف العدو كلما قام بهجوم على خطوطنا، ولكن لم نجد أحداً. كنا نتمنى أن نجدهم لنعيد تجميع صفوفنا والقيام بهجوم مضاد لاستعادة مواقعنا وتطهير مدينتنا، ولكن لا أمل، لقد وصلت قوة من المصفحات من مدينة الناصرة لدعم الهجوم على مستعمرة عين زتيم لفتح الطريق إلى صفد، لكنهم عادوا من حيث أتوا.

ماهر الشاويش/ دمشق