مصطفى رشيد الحاج ياسين قدورة

 

 

 

إنه لشرف كبير لي أن أسرد نبذة عن عصامية سيدي الوالد الحبيب مصطفى رشيد الحاج ياسين قدورة، لتكون حافزا لجميع أبناءنا وبناتنا لبذل كل الجهد والمثابرة في التعلم وتحصيل أفضل الشهادات العلمية. والدي من مواليد مدينة صفد في عام ١٩٢٨ م، عاش يتيما حيث توفي جدي رحمه الله ووالدي لم يتجاوز عمره الستة أشهر. ترك مقاعد الدراسة بعد أن أكمل الصف السابع، عمل فيما بعد ساعي بريد في مدينة حيفا إلى أن هاجر مع سيدتي الفاضلة المرحومة بإذن الله جدتي الحاجة مريم صالح قدورة إلى مدينة دمشق بعد نكبة عام ١٩٤٨. كان يملك دراجة نارية استخدمها للعمل مراسل لدى مكتب وكالة الغوث وتشغيل الفلسطينيين في مدينة دمشق. فيما بعد حصل على إجازة قيادة سيارة وأصبح يعمل سائقا لدى وكالة الغوث.
طلبت جدتي رحمها الله منه في ذاك الوقت أن يعود للدراسة لتحسين وضعه الوظيفي والإجتماعي ورفض هذا الطلب حيث كان عمره واحد وعشرون سنة.
تزوج وعمره ثمانية وعشرون سنة وطلبت منه سيدتي الفاضلة والدتي خيرية خليل قدورة أن يعود لمقاعد الدراسة لتحسين مسماه الوظيفي وإيراده الشهري ورفض وقال لها أن أمه كانت قد طلبت منه ذلك ورفض لتقدمه في السن.
خلال إحدى العطل الصيفية كان والدي يجلس في أحد مقاهي دمشق بصحبة خالي الحبيب الأستاذ الفاضل عوني خليل قدورة والأخ الحبيب العم المرحوم الأستاذ الفاضل حسام سويد. كلاهما حاصلين على ليسانس أداب في اللغة العربية من جامعة دمشق وكانا في ذاك الوقت يعملان مدرسان للغة العربية. في تلك الجلسة كان الحديث يدور بين خالي والأستاذ حسام سويد عن الشعر والأدب دون مشاركة من والدي الذي لم يكمل تعليمه الجامعي.
شعر والدي في تلك الجلسة بحرج شديد وحدث نفسه قائلا أنه لم يستطع متابعة دراسته لأنه عاش يتيما، فإذا كان صديقيه حاصلين على شهادة بكالوريوس في اللغة العربية، فإنه سيعود إلى مقاعد الدراسة ليحصل على بكالوريوس في آداب اللغة الإنكليزية.
غادر والدي المقهى متجها إلى سوق الحميدية بجوار المسجد الأموي لشراء كتب مستعملة للصف السابع، وعاد إلى البيت وعندما فتحت الباب له والدتي ورأته يحمل الكتب سألته لمن هذه الكتب فقال لها هي لي لأنني قررت العودة إلى الدراسة، وبإذن الله تعالى سأسعى للحصول على شهادة جامعية في آداب اللغة الإنكليزية. في ذاك الوقت أصبح عمر والدي الحبيب أربعة وثلاثين عاما وكان لديه ولدين وبنتا أنا أكبرهم.
في اليوم التالي ذهب والدي للتسجيل في مدرسة مسائية وطلب من مدير المدرسة أن يساعده في الإلتحاق في الصف الثامن بعد أن يراجع كتب الصف السابع. عاد بعدها والدي إلى مقاعد الدراسة وحصل على الشهادة الإعدادية، وتابع مسيرته الدراسية وحصل على الثانوية العامة بمعدل ٧٥٪. وأصبح لديه في ذاك الوقت ثلاثة أبناء وثلاث بنات وبقي يعمل سائقا لدى وكالة الغوث في الفترة الصباحية.
عندما حصل والدي على تفاصيل درجاته في الثانوية العامة وجد أن علامته في مادة اللغة الإنكليزية تقل درجة واحدة عما هو مطلوب للإلتحاق في كلية آداب اللغة الإنكليزية. حزن لهذا الأمر وأقنعه خالي الحبيب أن يلتحق في كلية آداب اللغة العربية. بعد ثلاثة أشهر قرر أن يعيد إمتحان الثانوية العامة كي يحصل على الدرجة التي تمكنه من الإلتحاق في كلية آداب اللغة الإنكليزية.
وحقق هدفه والتحق في كلية آداب اللغة الإنكليزية وأنهى دراسته الجامعية وعمره خمسة وأربعين عاما ولديه أربعة أبناء وثلاث بنات. عندها ترك مهنته كسائق وأصبح يعمل مدرسا للغة الإنكليزية لدى مدارس وكالة الغوث.
إنتقل في عام ١٩٧٣ للعمل مدرسا في السعودية بمدينة الرياض، وفي عام ١٩٧٤ جاء إلى الكويت للعمل مدرسا للغة الإنكليزية وتحقيق حلمه في أن يكون بصحبة أخويه خالي الأستاذ عوني قدورة والأستاذ المرحوم حسام سويد.
تقاعد سيدي الوالد الحبيب في عام ١٩٨٩، ونعيش حاليا تحت رعايته في الكويت. هذه هي قصة كفاح والدي الواقعية أردت أن أسردها لعلها تكون حافزا لأبناءنا وبناتنا عل بذل كل الجهد لتحصيل أفضل وأعلى صنوف العلوم حيث قال الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم" هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون" صدق الله العظيم وبه نستعين.